Random Post

Test I

نور الدين شوقي – زايو سيتي نت ميز عبد السلام بن ميس ،وهو باحث في العلوم الفلسفية،بين مستويين مستوى الإسم اللسني الذي أعطاه الأمازيغيون لأنفسهم ومستوى الأسماء التي نعتوا بها ،متسائلا عما إذا كان إسم “الأمازيغ” أو “البربر” إسمان نعتوا بهما أم هم الذين سموا بهما أنفسهم .ذالك فكلمة برباروس هي نعت ،وليس بإسم يطلق على شعب ،إما أنهم غرباء أو هم من الغرب .وقد تم إطلاق إسم “الماروي” على الرومان ،بمعنى الغربيون ،فهي نعوت وليست أسماء أصلية توحي إلى الشعوب .نفس الشيء في ربط الأمازيغي بالأمازيغية ،إذ لا يمكن ،في إعتقاد الباحث بن ميس ،القول بأن الشعب الذي كان يتحدث الأمازيغية إسمه الحقيقي الشعب الأمازيغي ،فهو إستدلال خاطئ بالنسبة إليه .ويبقى أن كلمة أمازيغ واردة في نصوص تاريخية في حين أن كلمة “بربر” لم ترد في نصوص هيرودوت نفسه وأن الذين أطلقوا كلمة”بربر” على سكان شمال إفريقيا هم اليونان والتي تعني الغرباء وليس فيها ما هو قدحي ،حيث كان ينعت كل ما هو غير يوناني بالغريب.

test II

نور الدين شوقي – زايو سيتي نت ميز عبد السلام بن ميس ،وهو باحث في العلوم الفلسفية،بين مستويين مستوى الإسم اللسني الذي أعطاه الأمازيغيون لأنفسهم ومستوى الأسماء التي نعتوا بها ،متسائلا عما إذا كان إسم “الأمازيغ” أو “البربر” إسمان نعتوا بهما أم هم الذين سموا بهما أنفسهم .ذالك فكلمة برباروس هي نعت ،وليس بإسم يطلق على شعب ،إما أنهم غرباء أو هم من الغرب .وقد تم إطلاق إسم “الماروي” على الرومان ،بمعنى الغربيون ،فهي نعوت وليست أسماء أصلية توحي إلى الشعوب .نفس الشيء في ربط الأمازيغي بالأمازيغية ،إذ لا يمكن ،في إعتقاد الباحث بن ميس ،القول بأن الشعب الذي كان يتحدث الأمازيغية إسمه الحقيقي الشعب الأمازيغي ،فهو إستدلال خاطئ بالنسبة إليه .ويبقى أن كلمة أمازيغ واردة في نصوص تاريخية في حين أن كلمة “بربر” لم ترد في نصوص هيرودوت نفسه وأن الذين أطلقوا كلمة”بربر” على سكان شمال إفريقيا هم اليونان والتي تعني الغرباء وليس فيها ما هو قدحي ،حيث كان ينعت كل ما هو غير يوناني بالغريب.

Test

Test

World News

Entertainment

‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ الوسيط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ الوسيط. إظهار كافة الرسائل

الأمير يوسف بن تاشفين | د. سليمان العلي

بواسطة : آفر برس بتاريخ الجمعة، 13 أبريل 2012 | 9:06 ص

مقتطفات من سيرة أسد الإسلام الأمير يوسف بن تاشفين - رحمه الله - مؤسس دولة المرابطين.
يرويها د. سليمان العلي



احاديث غريبة جدا مادرجة صحتها

بواسطة : آفر برس بتاريخ الأربعاء، 21 مارس 2012 | 1:22 م

سارة سوسو - منتديات نجوم القل
بداية انا لست بربرية "امازيغية " انا عربية ولكن اثناء بحثي عن قبائل بني هلال
وجدت هذه الاحاديث الغريبة جداااااااااا انظروا واقرؤا
قال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج قال: عن ثنا عبد الله بن نافع قال: حدثني بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين أنت، قال: بربري، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: قم عني، قال بمرفقه كذا، فلما قام عنه، أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إن الإيمان لا يجاوز حناجرهم (أو ترياقهم). {مسند أحمد بن حنبل ( ج2 /ص 367 )}
ـ قال بن عساكر بسنده عن يزيد بن سنان: "حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ولد لنوح ثلاثة، سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا خير فيهم، وولد حام القبط والبربر ولا خير فيهم. {تاريخ دمشق (ج62/ ص277 )}

ـ قال أحمد بن حنبل : حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا بن لهيعة عن القاسم بن عبد الله المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن القاسم بن البرجي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من أخرج صدقة فلم يجد إلا بربريا فليردها. {مسند أحمد بن حنبل(ج2/ص221 )}
ـ قال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا وهب الله بن راشد المعافرى ثنا حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو المعافري عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخبث سبعون جزء، للبربر تسعة وستون جزءا وللجن والإنس جزء واحد. {المعجم الكبير( ج17/ ص299 )}.
ـ قال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا بن لهيعة حدثني يزيد بن عمرو المعافري عن مولى لرفيع بن ثابت، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم اشترى جارية بربرية بمائتي دينار، فبعث بها إلى أبي محمد البدري من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بدريا فوهب له الجارية البربرية فلما جاءته قال: هذه من المجوس التي نهى النبي صلى الله عليه سلم عنهم والذين أشركوا. {المعجم الكبير (ج20/ص332 )}.
ـ قال نعيم بن حماد: عن يحيى بن سعيد أخبرني عثمان بن عبد الرحمن عن عنبسة ابن عبد الرحمن عن شبيب بن بشر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي وصيف بربري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قوم هذا أتاهم نبي قبلي فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه و شربوا مرقه. كتاب الفتن (ج1/ ص266 )
ـ قال نعيم بن حماد :"حدثنا بقية بن الوليد عن بسر بين عبد الله بن يسار قال سمعت بعض المشايخ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: نساء البربر خير من رجالهم، بعث فيهم نبي فقتلوه فولينه النساء فدفنه. كتاب الفتن (ج1/ص265).
ـ قال محمد بن عمر بن حفص : حدثنا إسحاق بن الفيض حدثنا أحمد بن جميل المروزي حدثنا الموطأ بن إسماعيل الأنصاري عن مروان بن سالم عن خالد بن معدان رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: قسم الحياء عشرة أجزاء، تسعة في العرب وواحد في سائر الخلق، والكبر عشرة أجزاء، تسعة في الروم و جزء في سائر الخلق، والسرقة عشرة أجزاء تسعة في القبط وجزء في سائر الخلق، والبخل عشرة أجزاء تسعة في فارس وجزء في سائر الخلق، والزنا عشرة أجزاء تسعة في السند وجزء في الخلق، والرزق عشرة أجزاء تسعة في التجارة و جزء في سائر الخلق، والفقر عشرة أجزاء تسعة في الحبش وجزء في سائر الخلق، والشهوة عشرة أجزاء تسعة في النساء وجزء في الرجال، والحفظ عشرة أجزاء تسعة في الترك وجزء في سائر الخلق، والحدّة عشرة أجزاء تسعة في البربر وجزء في سائر الخلق. كتاب العظمة (ج5/ ص1367 )
ـ قال الحاكم : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنبأ الحسن بن علي بن زياد حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأ عيسى بن يونس عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن مالك عن أبي الرجال أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة وتقول: لا تعطوا منهم بربريا ولا بربرية فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: هم الخلف الذين قال الله عز وجل: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة. مستدرك الحاكم (ج2/ص267 ).

أمانى الوشاحى: "طارق بن زياد"شخصية وهمية ..والأمازيغ لم يسلموا على يد عقبة بن نافع

بواسطة : آفر برس بتاريخ الأحد، 28 أغسطس 2011 | 5:19 ص

ناظور اليوم
قالت "أمانى الوشاحى"، الباحثة فى الشأن الأمازيغى ومنسق الشبكة المصرية من أجل الأمازيغ، أن الامازيغ أعتنقوا الاسلام على يد "الامام الحسين بن على" وليس على يد "عقبة بن نافع" كما هو شائع ، وأشارت إلى أشهر الشخصيات الأمازيغية قديما وحديثا منهم شخصية "طارق بن زياد"، الذى اعتبرته شخصية وهمية اختلقها الأمويون نكاية فى رجلهم "موسى بن نصير" عندما انقلبوا عليه . بحسب قولها.
وروت "الوشاحى"، خلال ندوة "الأمازيغ .. الشعب الحر النبيل"، والتى نظمها مركز "نبتة" للثقافة والفنون الأفريقية، مساء الخميس الماضى، فى اطار نشاط المركز من أجل تسليط الضوء على الثقافات الأفريقية المختلفة، قصة استيطان الأمازيغ فى مصر من خلال موجتين من الهجرة السلمية الأولى كانت فى عهدد الملك (رعمسيس الثالث) والثانية جاءت مع جيش (المعز لدين الله الفاطمى) .. وأختتمت حديثها بتوضيح وضعية أمازيغ مصر حاليا وكونهم يشكلون تجمعا فى واحة سيوة بمحافظة مطروح وتجمعا آخر فى قرية صغيرة بمحافظة بنى سويف الى جانب قبيلة (الهوارة) بمحافظة قنا وعدد من العائلات المهاجرة حديثا.

و تحدثت "الوشاحى"، عن الحضارة الأمازيغية كونها تعود الى 5600 عام ، وعن سبب العداء التاريخى بين الأمازيغ والعرب كونه يعود الى فترة الغزو العربى لشمال أفريقيا .
وعقب الندوة تم عرض الفيلم الوثائقى "أمازيغ مصر"

من جانبه، قال "وليد فاروق"، مدير المركز، أن مركز يجمع المثقفين والفنانين الأفارقة حتى يعرضوا ثقافاتهم .. وذلك من خلال الندوات والحفلات الموسيقية ومعارض الفن التشكيلىى مضيفا : "يعود اهتمامنا بالثقافة الأمازيغية باعتبارها جزء من الحضارة الأفريقية العريقة .. لهذا حرصنا أن نقيم ندوة خاصة للتعريف بالثقافة الأمازيغية"

الأقباط متحدون / عماد توماس

باب زويلة الأكثر شهرة بين أبواب القاهرة التاريخية

بواسطة : آفر برس بتاريخ السبت، 20 أغسطس 2011 | 1:55 م

محمد رفعت-ارض الحضارات
سبب التسمية
أما باب زويلة, فقد سمي بهذا الاسم نسبة الى قبيلة من البربر بشمال افريقيا, انضم جنودها الى جيش جوهر لفتح مصر.. وباب زويلة هو الباب الثالث الذي لا يزال يقاوم عوامل الزمن والاهمال بعد بابي النصر والفتوح, ويعتبر هذا الباب أجمل الأبواب الثلاثة وأروعها, وله برجان مقوسان عند القاعدة, وهما أشبه ببرجي باب الفتوح ولكنهما أكثر استدارة, ويشغل باب زويلة مساحة مربعة, طول كل ضلع من أضلاعها (25 مترا) وممر باب زويلة مسقوف كله بقبة, وقد اختفت منه معظم العناصر الزخرفية.. وعندما بنى الملك المؤيد أبو النصر شيخ مسجده عام 818 هجرية, اختار مهندس الجامع برجي باب زويلة وأقام عليهما مئذنتي الجامع.. ويذكر المؤرخ الشهير (القلقشندي) الكثير عن باب زويلة, ويورد في كتابه (صبح الأعش) أبياتا من الشعر كتبها على بن محمد النيلي تتحدث عن عظمة هذا الباب, ومنها قوله:

يا صاح لو أبصرت باب زويلة

لعلمت قدر محله بنيانا

لو أن فرعونا رآه لم يرد

صرحا ولا أوصى به هامانا

ويطلق العامة على باب زويلة بوابة المتولي.. حيث كان يجلس في مدخله (متولي) تحصيل ضريبة الدخول الى القاهرة!

أوراق ملونة / جامع تنمل... معمار إسلامي فريد

بواسطة : آفر برس بتاريخ الاثنين، 14 مارس 2011 | 4:24 ص

علي الجاسم- alraimedia.com
بعد ان اقام القائد الامازيغي عبد المؤمن بن علي دولة «الموحدون» في شمال افريقيا وبلاد الاندلس ما بين عام 1130 - 1269م. التفت عبدالمؤمن الى قرية تنمل البعيدة التي وارى ترابها جثمان معلمه وامام دعوته أبو عبد الله محمد بن تومرت 1080 - 1128، فحول قبره إلى مكان مقدس عند اتباعه، فشيد السلطان عبد المؤمن اول خليفة لدولة الموحدين مسجدا في المكان نفسه الذي بنى فيه بن تومرت مسجده المتواضع، وأطلق عليه اسم «جامع تنمل»- طوله 48 متراً وعرضه43.6 متر- يضم صحنا يبلغ طوله 23.65 متر وعرضه 16.70 متر، ويحيط بجانبيه رواقان يشكلان امتدادا لبلاطات بيت الصلاة تتكون المواد المستخدمة في بنائه من الآجر وبلاط مصنوع من خليط من الرمل والتراب والجير والحصى، تنتظم قاعة الصلاة في تسع بلاطات تتجه نحو العمق. يسكنه محراب مزخرف، له عقدٍ منكسر ومتجاوز قليلاً، مصحوبٍ بعقد ثانٍ منكسر عالي الارتفاع، وعقد ثالث مغلِّف يزيد
من قوة المجموع، في حين، بقيت العناصر الثانوية مثل القبب الصغيرة والزخارف الزهرية والعقود ذات القويسات والنتوءات محتشمة الشكل والمظهر، كي لا تؤثر على تركيز المصلين. ويلاحظ ان تزيينات المحراب هندسية وزهرية دون كتابة زخرفية وهي سمة من السمات المميزة للفن الديني الموحدي في بداية عهده الذي كان يجتنب الغلو في الزخرفة حيث كان فن البناء عندهم يتسم بالمتانة والزهد والتقشف، إلا أن الموحدين تأثر نمطهم المعماري كثيرا بالطرز الاندلسية بعد ان استولوا على بلاد الاندلس. حيث التفت خلفاء الدولة الموحدية آنذاك كما تذكر الدكتورة علية الاندلسية الى «البناء المعماري والفني واهتموا بتشييد بنايات عديدة ذات فائدة اقتصادية أو عمرانية أو عسكرية أو دينية، ولا تزال بعض مآثرهم الخلابة قائمة شامخة إلى يومنا هذا تشهد على عصرهم الذهبي في الأندلس والمغرب. فاستطاع الموحدون بفضل عنايتهم الفائقة بالفن والعمارة تركيز نوع من التوحيد بين عناصر الفن الإسلامي، التي امتزجت فيه معطيات الفن الأندلسي والقيرواني والشرقي والبيزنطي «فبنوا قنطرة إشبيلية» سنة 566هـ على نهر الوادي الكبير، وجامع إشبيلية الاعظم سنة 567هـ، الذي عرف بمئذنته الكبيرة، ولا تزال هذه المئذنة التي تعرف باسم «لاخيرالدا» قائمة الى الان شامخة بمعمارها الفريد حيث يبلغ ارتفاعها 96 مترًا.
* كاتب وفنان تشكيلي

هل كان طارق بن زياد إبنا لوادي سوف؟

بواسطة : آفر برس بتاريخ الخميس، 10 مارس 2011 | 7:40 ص

الدكتور أمين الزاوي-الشروق أونلاين
يتساءل بعض منا عن مكان ولادة طارق بن زياد؟ ولكن؟؟؟
كل ما نعرفه عن طارق بن زياد المغاربي الأمازيغي، هو نص تلك الخطبة التي ألقاها في جيوشه التي عَبَرت مضيق البوغاز ونزلت بشواطئ الأندلس والتي فاق تعدادها خمسة آلاف. خطبة، حفظناها في دروس الأدب واللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ، وامتلأت بها كتبنا المدرسية لما فيها، كما يقال، من بلاغة مليئة بالسجع والصور البلاغية والحماسة وأشياء أخرى، يمكنكم الرجوع إليها فهي لاتزال مقررة في الكتب المدرسية على أطفال الجزائر وأطفال المغرب الكبير والمشرق حيث مطلع الشمس. قرأنا وحفظنا هذه الخطبة "العصماء" المعصومة من كل شيء إلا من الكذب المقدس.
وما نتساءل عنه وهو الذي يدخل في باب محاولة تفتيت ما أسميه بـ"الكذب المقدس" الذي تكرس بشكل واضح ومتواصل في ثقافتنا العربية وأضحى من المسلمات التي لا تمس ولا تنقد ولا تُراجَع: كيف يمكن لطارق بن زياد الأمازيغي النفزاوي الولهاصي، مََنْ لغتُه اليومية والتعاملية هي البربرية، كيف يمكن له وهو قائد الجيش أن يتكلم بكل تلك الفصاحة العربية، تلك اللغة التي لم تكن قد حطت بعد رحالها في بلاد المغرب الكبير بشكل ديني وثقافي عميقين؟ كيف يمكن لهذا القائد الاستراتيجي أن يخاطب بلغة عربية عالية جنودا غالبيتهم إن لم أقل جميعهم من قبائل البربر وهم لا علاقة لهم بهذه اللغة الأدبية العالية؟
وما لم نتساءل عنه كمثقفين وباحثين منشغلين بتاريخ الشأن الثقافي واللغوي، هي تلك الغيرة السياسية الحمقاء النارية التي سكنت موسى بن نصير (640 - 716) الذي رأى أن هذا البربري بفتحه الأندلس، دون أن يرخّص له بذلك، قد صادر منه كل شرف الفتح وكثرة الغنائم. هذه الغيرة التي ستكون السبب في موت طارق بن زياد، موت أو اغتيال لم يعرف المؤرخون كيف حصل ولا حيث وقع؟ يقال إن طارق بن زياد اقتيد إلى دمشق مكتوف الأيدي حيث مات في الطريق إليها أو بها، كان ذلك ما بين 715 و720.

ألا نتعجب كيف يمكن للمؤرخين العرب والمسلمين إسقاط تاريخ وفاة أهم شخصية سياسية وعسكرية تاريخية أوصلت العرب إلى الأندلس ليمكثوا فيها ثمانية قرون؟ فإذا كانت سنة ميلاده غير معروفة أو غير دقيقة فهذا راجع ربما إلى أنه لم يكن ابن ملك ولم يكن أميرا ولا كاتبا أو شاعرا معروفا في البلد أو لدى القبيلة، فالأمر مقبول، ولكن أن يتناسى المؤرخون تاريخ موته وقد مات وهو ما هو عليه من الذكرى والذكر في كل مكان وعلى كل لسان، فهذا من باب تكريس الكذب المقدس.
هناك شخصيات بربرية كبيرة دينية وأدبية عاشت في بلادنا قبل طارق بن زياد بقرون وقد حفظ المؤرخون أماكن ميلادهم وتواريخ وفياتهم من أمثال القديس سان أوغستين (ولد في 354 توفي في 18 آب 430) من مواليد سوق أهراس (طاقاست) والقديس سان دونا (مات في سجون روما بإسبانيا سنة 355 م) والكاتب الروائي أبوليوس دي مادور (125 ق.م - 180 ق.م) من مواليد مداوروش بالشرق الجزائري وغيرهم، احتفظ التاريخ بأماكنهم وبكتبهم وتكلم عن أيامهم وأسفارهم وحروبهم وعقائدهم وما إليها. وحده طارق بن زياد وهو العَلاَمَة الكبيرة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط والعالم الإسلامي مَنْ سقط نسيا منسيا. قد نفهم ونَتَفَهَّم تناسي المؤرخين الغربيين لذكره، فهو لا يذكر في كتبهم ولدى مؤرخيهم القدامى إلا باسم غريب وشاذ هو: طارق الأعور؟ ولكن أن يمحو العرب والمسلمون ذكره في التاريخ فهذا من غريب الأمور.
وإذا كان ابن خلدون صاحب "المقدمة" و"كتاب العبر" قد تعرض للقليل من تلك العلاقة المشحونة ما بين موسى بن نصير وطارق بن زياد، فإنه هو الآخر لم يجئ على ذكر المكان الذي ولد فيه فاتح الأندلس ولا تاريخ موته بدقة.
إذا كان ابن خلدون قد غفل ذلك وهو الذي لم يترك لا صغيرة ولا كبيرة إلا وذكرها، فإن للباحث والأستاذ الطاهر بن عائشة قولا ورأيا مثيرين في الأصل والمنطقة التي ينتمي إليها طارق بن زياد وقد عبّر لي عن ذلك في واحدة من أحاديثنا ونقاشاتنا وذلك بحضور الكاتب الصديق سعدي بزيان والشاعر توفيق ومان وهنا أفضل أن أسوق شهادته كما وردت على لسانه:
"... ينزل طارق بن زياد من قبيلة نفزاوة والتي كانت تستوطن منطقة وادي سوف الخصيبة، كانت القبيلة تقيم في مصب الوادي وهي المنطقة الأكثر خصوبة للزراعة والرعي، وطارق بن زياد من هذه المنطقة فهو إذن ابن وادي سوف أو "سوفي" بلغتنا المعاصرة أو بتعبيرنا الحديث."
ويواصل الطاهر بن عائشة في رواية قصة طريفة وغريبة في الوقت نفسه، وهي قصة جد طارق بن زياد مع الرسول (ص):
"... كان جد طارق بن زياد والذي اسمه عبد الله يعيش بمنطقة وادي سوف، وإذ وصلت أنباء الدين الجديد الذي هو الإسلام إلى أسماع قبيلة نفزاوة، كان ذلك قبل الفتح الإسلامي، اجتمع أعيان بعض فروع القبيلة وقرروا الذهاب إلى بلاد الشرق للاستفسار عن هذا الدين الجديد. وقد تطوع عبد الله أبو زياد، أي جد طارق، وسبعة من الرجال الآخرين واتفقوا على شد الرحال إلى مدينة مكة التي كانت تأوي الدين الجديد وتأوي رسوله محمد (ص). وبعد مسيرة دامت أسابيع وصل الرجال الأمازيغ إلى مكة، ثم سألوا عن مكان إقامة رسول الدين الجديد واقتيدوا إليه، وكان الرسول وكعادته يستقبل جميع الوفود القادمة من جهات كثيرة من الشام واليمن وغيرها، وقد استُقبِل الوفد من قبل أحد مستشاري الرسول(ص) الذي أوفدهم إلى مجلسه، ويقال إن الرسول (ص) سأل الرجل الذي أدخلهم عليه قائلا: من أي بلاد هو قادم هذا الوفد؟ فأجابه: إنهم من بلاد المغرب الأمازيغ، بلاد البرنس، اللباس التقليدي المغاربي، فالتفت الرسول إليهم وأخذ يكلمهم بلغتهم أي اللغة الأمازيغية؟؟؟...".

هل تكلم الرسول اللغة الأمازيغية؟
في شخصية طارق بن زياد وحولها، تاريخا ومولدا ووفاة، يتقاطع الحقيقي بالأسطوري، يخترق الخرافي التاريخي. في شخصية طارق بن زياد وهي الشخصية الأكثر تأثيرا وجدلا في حوض البحر المتوسط والعالم الإسلامي، لم نستطع تخليص الخرافي فيها من الواقعي وتلك قضية مرتبطة بمشكلة كتابة التاريخ عند العرب والمسلمين، فتاريخنا كتبته أقلام عاشت على فُتات موائد الملوك والسلاطين الذين لا يريدون أن يسمعوهم إلا ما يرضيهم ويجعلهم يزدادون في جبروتهم جبروتا.
هل استعاد طارق بن زياد شهادة ميلاده من وادي سوف بعد أن ضيّعها قرونا؟

وهل تكلّم الرسول اللغة الأمازيغية؟
تلك دعوة لنهضة سؤال الصدق في الكتابة التاريخية في العالم العربي والإسلامي.
تلك دعوة لمناهضة الكسل الفكري ورجم الكذب المقدس

الأمازيغ في ليبيا الحياة والنشأة والثقافة

بواسطة : آفر برس بتاريخ الاثنين، 28 فبراير 2011 | 4:21 ص

مجلة مصر المحروسة
يرجع الوجود الأمازيغي في ليبيا إلى الألف الرابع قبل الميلاد وكانت أول إشارة للوجود الأمازيغي في ليبيا إبان العهد الفرعوني المبكر فقد تمت الإشارة إلى القبائل التي تقطن إلى الغرب من وادي النيل بالمشوش والليبو وكذلك عرف سكان أوجلة بالناسومسيون وكذلك اعتلى شيشنق ذو الأصول البربرية الليبية عرش مصر مكونا الأسرة الثالثة والعشرين وقد ذكر هيرودوت أثناء زيارته ليبيا في القرن الرابع قبل الميلاد الأواجلة والطوارق والجرمنت. بعد وصول الفتوحات الإسلامية لليبيا اعتنق أغلب الأمازيغ في ليبيا الدين الإسلامي وناصروه وبدأت التركيبه الديمغرافية لليبيا بالتغير خلال القرن التاسع الميلادي مع وصول بنو هلال وبنو سليم مع الدولة الفاطمية.
حاليا يشكل الأمازيغ الناطقين بالأمازيغية حوالي 5%من سكان ليبيا أغلبهم يقطن في جبل نفوسه وزواره وغدامس إضافة إلى الطوارق والأواجلة ويتكلمون العربية إضافة إلى الأمازيغية التي تختلف لهجاتها من مكان لآخر أما أمازيغ جبل نفوسة فيعتبرون الأكثر تمسكا باللغة الثقافة الأمازيغية قد يكون السبب قربهم الجغرافي من الجزائر أما الأواجلة فيعتبرون أنفسهم مستعربين أكثر من سكان جبل نفوسه.
تأثير الأمازيغ في الثقافة الليبية
توجد العديد من الثأتيرات الأمازيغية الدارجة في اللهجة والثقافة الليبية فمثلا أكلة الكسكسي التي تعتبر من أشهر الأكلات الليبية فهي أمازيغية الأصل.

الكتابة الليبية القديمة
أكدت الأبحاث التاريخية التي أجريت على الأبجدية , بأن أقدمها الأبجدية الليبية (( تيفنياغ)) وتاريخها الموغل في القدم, وتشير الدراسات إلا أنه لم تظهر على أرض القارة الأفريقية بأسرها إلا أبجديتان اثنتان, باستثناء الهيروغليفية، وهما الأبجدية الليبية ((تيفنياغ )) ثيوبية, وتسمى الحروف الليبية (( تيفنياغ ))، وقد فسرت هذه التسمية تفسيرات مختلفة, وأشهرها هو أن الكلمة مشتقة من فنيق أى تفينيقت وقد اختلف الباحثون في أصولها وجذورها الأولى, تتكون الأبجدية الليبية من حروف صامتة, عددها (( 16 )) حرفا ثم تطورت وأصبحت (( 23 )) حرفا في عهد المملكة النوميدية, وقد كتب الليبيون القدماء بهذه الحروف على جدران الكهوف وعلى الصخور, وكانت الأبجدية الليبية في بداية عهدها تكتب من أعلى إلى أسفل ثم كتبت في جميع الاتجاهات ثم تطورت الكتابة من اليمين إلى الشمال وكان ذلك على يد الطوارق في القرن التاسع عشر, والأبجدية مازالت تحيطها الأسرار ومازالت عصية على الباحثين , خصوصا أن فك طلاسمها يحتاج إلى الإلمام باللغات القديمة, كالفينيقية واللاتينية, لأن كثيرا من الجمل والمفردات الليبية القديمة كتبت ترجمتها بهذه اللغات المنقوشة على الألواح الحجرية .

التسمية
كلمة أمازيغ مفرد تجمع على "إيمازيغن" ومؤنثه "تمازغيت" وجمع المؤنث "تمازغيين". ويحمل هذا اللفظ في اللغة الأمازيغية معنى الإنسان الحر النبيل أو ابن البلد وصاحب الأرض، وتعني صيغة الفعل منه غزا أو أغار، ويجعلها بعضهم نسبة لأبيهم الأول "مازيغ".

وقد وردت كلمة "مازيغ" في نقوش المصريين القدماء وعند كتاب اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب القديمة التي عاصرت الأمازيغيين.
وتختلف اللهجات ذات الأصول الأمازيغية في نطق هذا اللفظ فهو عند طوارق مالي "أيموهاغ" بقلب الزاي هاء، وعند طوارق منحنى نهر النيجر الغربي "إيموشاغ"، أما في أغاديس بالنيجر فينطقونه "إيماجيغن"، والمقصود بجميع هذه التصحيفات إنما هو "أمازيغ".
أما اسم البربر أو البرابرة فأصله لاتيني ويعني المتوحشين أو الهمجيين، ويظهر أن أول إطلاق له على السكان الأصليين لهذه المنطقة كان من قبل الرومان في غزواتهم المعروفة لبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. وشاع إطلاق لفظ "البربر" على ألسنة الناس، وإن كان عدد من مثقفي الأمازيغ لا يتبنى هذه التسمية ويرى فيها سلبيات عهود ظلم قديم لحق بالأمازيغي عبر التاريخ.
وقد كان الإغريق يسمون كل من لا يتكلم الإغريقية "برباروس"، واستعاره الرومان وأطلقوه على كل الأجانب ومنهم الأمازيغ الذين كانوا خارجين تاريخيا عن سيادة الرومان، فهي تسمية جاءت من الخارج ولم يخترها الأمازيغ لأنفسهم.
وإذا كانت دلالة مصطلح أمازيغ اللغوية تعني الرجل والإنسان الحر، فإن الدلالة التاريخية تحيل إلى "أمازيغ" الأب الروحي للبربر أو الأمازيغ.
وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون في تحديد نسب الأمازيغ بقوله "والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح وأن اسم أبيهم أمازيغ".
"يرى البعض أن أصل الأمازيغ يعود إلى أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا".

الأمازيغ وإشكالية الأصل
الأمازيغ أو البربر مصطلحان يستعملان في الغالب للدلالة على السكان الأصليين الذين قطنوا شمال أفريقيا.

الأصل الأوروبي
أولها أولئك الذين تأثروا باتجاهات المدارس الغربية، ويرون أن أصل الأمازيغ إنما يتأصل في أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا، وسبق له أن استعمر شمال أفريقيا.
ويستند هذا الطرح إلى وجود تماثلات لغوية بين الأمازيغية ولغة الوندال الجرمانية من جهة، وإلى التشابه الذي يوجد بين بعض ملامح البربر والأوروبيين مثل لون العيون والشعر من جهة أخرى.
وذهب البعض إلى أنهم من نسل الغاليين (gaulois) أو الجرمان الذين أتوا مع الفيالق الرومانية أو الوندال، وهو أمر لا يمكن التسليم به لكون هذا النمط من البربر عاش في تلك المناطق قبل الوجود الروماني.
ومن ناحية أخرى لا يمكن التسليم داخل نفس الأسرة العرقية بذلك للاختلافات الحاصلة من باب التمثيل فقط بين بربر إقليمي القبائل وجبال الأوراس، بين من قامتهم متوسطة أو قصيرة وبينهم عدد كبير من الشقر، وبين أهل "مزاب" مثلا ذوي الشعور والعيون السود، أو بينهم وبين الطوارق.

الأصل المحلي
ويميل اتجاه آخر إلى بناء وجهة نظره على بعض الكشوفات الأركيولوجية والأنثربولوجية، إذ يفترض أنه تم العثور على أول إنسان في التاريخ في بعض مناطق أفريقيا (مثل كينيا وبتسوانا)، وبالتالي فالإنسان الأمازيغي لم يهاجر إلى شمال أفريقيا من منطقة ما ولكنه وجد فيها منذ البداية، والإنسان الذي عثر عليه يترجح أن يكون من السكان القدامى.

الأصل العربي
ويذهب اتجاه آخر إلى ربط سكان هذه المنطقة بالمشرق وجزيرة العرب، حيث إنهم نزحوا من هناك إلى شمال أفريقيا نتيجة لحروب أو تقلبات مناخية وغيرها.
ونقض ابن خلدون الآراء التي تقول إن البربر ينتمون إلى أصول عربية تمتد إلى اليمن أو القائلة إنهم من عرب اليمن، خصوصا قبائل بربرية مثل "هوارة وصنهاجة وكتامة" أكثر القبائل الأمازيغية ادعاء للعروبة.
وينفي ابن خلدون نسبة البربر إلى العرب عبر اعتبارهم كنعانيين من ولد كنعان بن حام بن نوح، فالكنعانيون ليسوا عربا، وليسوا من أبناء سام.
ويرفض كثير من المعاصرين نسبة البربر إلى العرب، ويؤكدون أن العرق الأمازيغي أحد الأعراق القديمة وأنه سابق للوجود العربي، وذلك استنادا إلى دراسات تفيد بأن أقدم الشعوب فوق الأرض 32 شعبا منها البربر، ولا وجود للعرب آنذاك.

ويميل اتجاه آخر إلى القول باقتران ظهور اللغة الأمازيغية مع ظهور الإنسان القفصي (نسبة إلى قفصة بتونس) في الفترة بين عامي 9000 و6000 قبل الميلاد، وربما هجر الأمازيغ منبت الشعوب الأفراسية (في إثيوبيا وما جاورها) إلى شمال أفريقيا بعد أن دخلت المنطقة الأصل في موجة من التصحر، وتطورت اللغة الأفراسية مع الوقت إلى أمازيغية في شمال أفريقيا.
وفي دراسة للباحث الفرنسي (Dr Ely Le Blanc) كشف أنه من خلال تنوع النمط العرقي يمكن القول إن شعب البربر قد تألف من عناصر غير متجانسة، انضم بعضها إلى بعض في أزمنة تاريخية مختلفة وتفاوتت درجة تمازجها، لكن يبدو من الصعب تحديد الفرع الذي ينتسبون إليه ومن أين أتوا.
ولا يمكن تقرير شيء مؤكد فيما يتعلق بالأصول الأجناسية واللسانية للبربر، ويجب الاكتفاء بالقول إن البربر اسم يطلق على أقدم السكان المعروفين عند بداية الأزمنة التاريخية في الشمال الأفريقي وكانت لهم علاقات بالفراعنة المصريين، أحيانا سلمية وأحيانا حربية.
وهم نفسهم الذين وجدهم الفينيقيون واليونان الذين استقروا في "برقة"، والقرطاجيون والرومان. واللغة التي كانوا يتكلمونها لا تزال هي اللغة التي يتكلم بها عدد من القبائل الأمازيغية اليوم.
وضمن كل هذه الاتجاهات يسعى الأمازيغ إلى التأكيد على استقلالية لغتهم وأصولهم التاريخية باعتبارها رموزا للهوية الأمازيغية.

الحياة الأمازيغية
يعيش الأمازيغ في شمال أفريقيا في المنطقة الممتدة من غرب مصر القديمة إلى جزر الكناري، ومن حدود جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى أعماق الصحراء الكبرى في النيجر ومالي. ومع حلول الإسلام في أفريقيا استعرب الكثير منهم بتبنيهم اللغة العربية، باستثناء أمازيغ جزر الكناري فهم يتكلمون اللغة الإسبانية.
ويتحدث الأمازيغ لهجات تختلف من منطقة إلى أخرى. وينتشرون في دول لم تعترف كلها بحقوقهم، غير أنهم أصبحوا أكثر نشاطا في المطالبة بما يعتبرونه حقوقهم السياسية والثقافية. ويمكن الحديث عن المجموعات الأمازيغية الكبرى من خلال التقسيم التالي:

أمازيغ الريف
يستوطنون في الشمال الشرقي للمغرب. والجماعة التي تتكلم باللهجة الريفية أو الزناتية تغطي منطقة تازة باتجاه الشمال في قبائل الريف، وشرقا في الحدود مع الجزائر، مثل قبائل "آيت ورياغلة" و"آيت وازين"...
وقد عرف الريف الأمازيغي في التاريخ المعاصر في تلك المناطق بالمقاومة الشديدة للاستعمار الفرنسي، وشهدت جبالها معركة "أنوال" -أشد معارك المقاومة الكبرى- سنة 1921 بقيادة الأمير الأمازيغي عبد الكريم الخطابي.

الشلوح
وهم في وسط الأطلس الكبير وغربه وفي منطقة سوس، وكذلك الأطلس الصغير. وتستخدم لهجة الشلوح في مناطق الجنوب الشرقي، وسهل سوس التي كانت تعرف قديما باسم "جزولة".

البربر
ويوجدون في الأطلس المتوسط وشرق الأطلس الكبير في أودية "زيز ودرعة وسرغاو" وواحات الجنوب.
ويستعمل أمازيغ المغرب خط "التيفناغ" وهو أحد أقدم خطوط الكتابة، وقد نجح المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في معيرته، وهو الخط الذي تبناه النظام التعليمي لتدريس الأمازيغية في المغرب. ولكل هذه المجموعات الأمازيغية حضور واضح في الحياة السياسية والثقافية.

القبائل
تشكل القبائل مجموعة أمازيغية كبيرة في الجزائر، وتتمركز في شمال وشرق الجزائر. ومنطقة القبائل صغيرة جغرافيا بالمقارنة مع نسبة سكانها الكبيرة، وأهم مدنها "تيزي وزو".
وتتميز مجموعة القبائل الأمازيغية بانخراطها الواسع في العمل السياسي من خلال الأحزاب السياسية ذات البعد الثقافي الأمازيغي المطالبة بالمزيد من الحقوق للأمازيغ.
وتعرف منطقة القبائل في الجزائر توترا كبيرا في علاقتها مع السلطة وصلت أحيانا إلى المواجهات الدامية كما حدث سنة 2001 في ما سمي "ربيع البربر".

الأوراس
في اتجاه الشرق قريبا من الحدود التونسية توجد جبال الأوراس. وتعد مدينة "باتنا" أهم مدن الأوراس، وهي منطقة ضعيفة اقتصاديا، ومعظم الذين يقطنون الأوراس من "الإنشواين" الأمازيغ.

التركيبة السكانية للأمازيغ
المزاب والزناتة
وهي مناطق صحراوية، وينتمي المزاب إلى المذهب الإباضي وقد كانوا من الخوارج تاريخيا. وتعد "غرداية" أهم مدنهم. ورغم كون المزاب قد تأثروا بالتعريب فإنهم ظلوا محافظين على بنية ثقافتهم الأمازيغية.

الطوارق
طوارق الصحراء: ويوجدون في الجنوب الجزائري ومنطقة "فزان" في ليبيا. وأهم قبائلهم الهقار أو "كل هغار"، وتبدأ أسماء القبيلة بـ "كل" أي "أهل" و"بنو"، وأيضا "كل آجر" في صحراء الجزائر. وغربا حول تمنراست يوجد "كل ريلا"، وكذلك في مدينة غدامس الليبية في الحدود مع كل من تونس والجزائر.
طوارق الساحل: وهم في الأساس قبائل "كل أيير" بصحراء تنيري، و"كل يلمدن" بمنطقة غاوة بالنيجر، و"كل آيترام" و"كل إيلمدن المتونة" و"كل تدمكت" (حول تمبكتو ومنعطف نهر النيجر) و"كل غزاف" في منطقة "أزواد"، و"آدرار أيفوغاس" بجمهورية مالي. وتمتد مجموعات الطوارق إلى بوركينا فاسو.
وكل هذه القبائل تتكلم لغة "التماشق" الأمازيغية باستثناء قبائل جنوب النيجر. وقد ظل الطوارق محافظين على استقلاليتهم وخصوصيتهم بلغتهم "التماشق"، وهم يكتبون بخط "التيفناغ"، ولم يندمجوا مع أي من الأعراق الأخرى في المنطقة.
وقد تم تقسيم أراضي الطوارق وتفريقهم بين دول هي الجزائر وبوركينا فاسو وليبيا ومالي والنيجر سنة 1960. وتشكل نسبة الطوارق في مالي والنيجر أعلى نسبة وجود لهم في أفريقيا.

اختلاف في الأرقام
تتضارب الأرقام فيما يتعلق بنسبة الأمازيغ في أفريقيا، ففي تقدير للمجلة الدولية في فرنسا عام 2001 فإن عدد الأمازيغ في الشمال الأفريقي حوالي 20 مليونا.
يوجد منهم 12 مليونا في المغرب، و6 ملايين في الجزائر، وبين 20 و50 ألفا في تونس، ومن 300 إلى 500 ألف في ليبيا، وبين 12 ، و20 ألفا في مصر ومليونان موزعون بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
لكن مصادر أخرى تذكر أن الأمازيغ في الجزائر على سبيل المثال يشكلون 27% وعددهم 8 ملايين، وأنهم يشكلون 40% من سكان المغرب وهي نسبة تتجاوز حدود 12 مليونا، و25% من سكان ليبيا، وأن الطوارق حوالي مليونين موزعين بين مناطق عديدة من أفريقيا.
إن التركيبة السكانية للمناطق التي يوجد فيها الأمازيغ غير معروفة بطريقة علمية دقيقة، ولهذا فهي محل استخدامات أيديولوجية في بعض الأحيان.
وارق ويطلق عليهم أحيانا "رجال الصحراء الزرق" شعب من الرحّل والمستقرين الأمازيغ يعيش في الصحراء الكبرى خاصة في صحراء الجزائر، ومالي، والنيجر وليبيا وبوركينا فاسو. والطوارق مسلمون سنيون مالكيون مع خلط من العقائد الأفريقية، ولهم نفس هوية سكان شمال أفريقيا ويتحدثون اللغة الأمازيغية بلهجتها الطوارقية.
يرجح بعض المؤرخين أن شعب الطوارق هم أحفاد القارامانت الذين عاشوا في سهول فزان بليبيا وهناك من يقول بالعكس بدليل أن القارامانت حسب المؤرخين القدماء كهيرودوت هم من ذوي البشرة السوداء أما الطوارق فهم بيض ثم أن الشعوب التي شاركت مباشرة في تكوين الطوارق لم يسكنوا فزان وهم قبائل هوارة، اللمطة، إزناكن، إماسوفن العلاقة الوحيدة بين الطوارق والقارامنت هو تسمية الثانية لفزان وهي تارقة والتي صارت فيما بعد تسمية فرقة صنهاجة الملثمون
الطوارق ينفردون باسمهم المعروف لدى الأوربيين والعرب، والتفسير الأكثر منطقية هو أن اسمهم مشتق من الكلمة الأمازيغية Targa وتعني "الساقية" أو "منبع الماء". ومن الثابت علميا أن منطقة الصحراء الكبرى الأمازيغية كانت خصبة تتوفر على الماء.
لكن الطوارق الأمازيغ يطلقون على أنفسهم "ئموهاغ" Imuhagh أو ئموشاغ Imuchagh وهما تنويعان للكلمة الأمازيغية Imuzagh. ولغتهم معروفة بـ"تاماشيق" Tamaciq وهي فرع من الأمازيغية Tamazight.
الطوارق يفضلون تسميتهم ب"إيماجيغن" أو "إيموهاغ" ومعناها بالعربية "الرجال الشرفاء الأحرار". و معضم الطوارق يرفضون تسميتهم بالبربر لأنها تسمية مختلفة عنهم قليلا لذلك يفضلون تسميتهم بـ اكيل تمشاق أو ايموهاغ

الموطن
يعيش الطوارق في تونس و شمال مالي والنيجر وغرب ليبيا وجنوب الجزائر قرب تمنراست وجانت وإليزي. وهم شعب قديم يحكم حياتهم نظام عتيق من التقاليد والعادات ورثوها عن أجدادهم. الطوارق أو كل تماشق لديهم إرث قديم من الأدب والعلوم الطبية وعلم الفلك فهم يتجولون في كامل الصحراء الكبرى باستعمال النجوم ويستعملون في علاج الأمراض الأعشاب والحرقب بالنار والجراحة إن اقتضت الحاجة.

الحياة الاجتماعية
للمرأة مكانة عظيمة لدى الطوارق. وتتمتع المرأة الأمازيغية الطوارقية باستقلالية كبيرة ولو كانت متزوجة. رغم أن معظم شعوب العالم تحولت إلى شعوب أبوية ذكورية ومن بينها أمازيغ الشمال في المغرب والجزائر وليبيا ومصر وتونس.
وأشهر شخصية في تاريخ الطوارق هي امرأة اسمها تين هينان Tin Hinan وهي زعيمة أسست مملكة أهاكار Ahaggar الأمازيغية العظيمة.
يعيش الطوارق في خيام ولكن جزءا كبيرا منهم يستقر في بيوت طينية.
توفر الخيام التي تصنع من أثواب خشنة تغزل من شعر الماعز وتشد إلى ركائز (أوتاد) يتم تثبيتها بحبال تزرع في باطن الأرض في معاقف، مأوى آمن ضد حر الصحراء الصهيب والمناخ القاسي.
ويبدو في وسط الخيمة دائما طاولة صغيرة لشرب الشاي، وطاولة أطول تخصص عموما للضيوف وعابري السبيل، وهذه من عاداتهم.
وعندما تهرع المرأة الطارقية إلى الخارج وهي تحمل آنية مملوءة بحليب الناقة فهذه علامة على الترحيب بالقادمين سواء أكان فردا من العائلة قد جاء بعد سفر أو ضيف عابر سبيل، والمرأة عند الطوارق لا تحجب عن وجهها.
لقرون تشبث الطوارق بتقاليدهم خصوصا في اللباس، إذ يتلثم الرجال غطاءً للوجه دائما عند تجولهم في الخارج، قد يكون هذا التقليد ناتجاً عن الظروف القاسية للبيئة الصحراوية التي يعيشون فيها، ولكن له دلالات ثقافية أكبر. ويسمى اللثام بـ "تاكلموست" حيث أنه من العيب على الرجل أن يظهر فمه للآخرين.
وعند نشوء تنازع أو تظالم بين شخصين فإن المسألة يتم حلها بسرعة في المجتمع المحلي بعد السماح لكل طرف بالإدلاء بآرائه والدفاع عنها أمام مجلس الشيوخ والمحكمة العامة، وتسند مهمة النطق بالحكم إلى ما يسمي بالشخص الأمين أو الزعيم المسمى أمنوكال Amnukal وهو مماثل لشخصية أمغار Amghar لدى أمازيغ الشمال.
الطوارق شعب فخور ويحب الاستقلالية، فبحكم عيشهم في محيط قاس طوروا مقاومتهم للطبيعة الصعبة وأعادوا صياغة الأمور التي يصعب التنبؤ بها، ويجعل الإحساس بشرف الأسرة منهم أكثر ضيافة ويعنيهم الإنسان ككل.

الثقافة
تتكون ملامح الثقافة الطارقية من الشعر الذي يؤلفونه وهم يسمونه (تيسيواي) والفن القصاصي (تينفوسين) الذي يتميزون به والفن الغنائى (اساهاغ) وقد عزف الطوارق على آلة التيندي وحديثا علي آلة القيطارة ومن أشهر فرقهم فرقة(تيناروين) وفرقة (تاراكفة).

الأمازيغ - البربر

بواسطة : آفر برس بتاريخ الخميس، 24 فبراير 2011 | 7:41 ص

حنفي بن عيسى - arab-ency.com
الأمازيغ Amazig كلمة تعني الإنسان الحر أو الكريم النسب، وهو الاسم الذي كان وما يزال قسم من السكان الأصليين في شمالي إفريقية يطلقونه على الواحد منهم، ويجمع على «إيمازيغن» ويقيم هؤلاء في منطقة مترامية الأطراف، تمتد من الحدود المصرية شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالاً إلى نهر النيجر جنوباً. أما تسميتهم بالبربر فمن المرجح أن الشعوب الأخرى هي التي أطلقتها عليهم لرطانتهم، وتجدر الإشارة إلى أن الأمازيغ يتسمون بأسماء العشائر التي ينتمون إليها أو المنطقة التي يقيمون بها، من هذه الأسماء: القبائليون، والزواوة، والشاوية، والطارقية وبنوميزاب في الجزائر، والشلح في المغرب.
أصل الأمازيغ
جاء في دائرة «المعارف الإسلامية» أن اللغة هي المعيار الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في الوقت الحالي لتمييز الأمازيغ الذين يلاحظ في هيئاتهم خصائص متنوعة جداً، بل متباينة أحياناً، فلا يمكن التحدث عن عرق أمازيغي متجانس، ولاسيما أنهم كانوا منقسمين فيما بينهم أشد الانقسام مما حال دون تشكيلهم أمة واحدة.

وما يزال شطر كبير من تاريخهم مجهولاً على وفرة الآثار الباقية من عصور ما قبل التاريخ في بلاد الأمازيغ الواسعة، ومع وجود النقوش والصور الجدارية الكثيرة التي تشهد بمآثرهم التاريخية، والكتب التي ألفها عنهم اليونان والرومان والعرب. وخير مثال على ذلك، اللغة الأمازيغية التي لم يتم إلى اليوم تحديد المجموعة اللغوية التي تنتمي إليها، ولهذا من الصعب تحديد الأصل الذي انحدر منه هذا الشعب في غابر الأزمان، مع العلم أن فرضيات كثيرة وضعت بشأنهم من بينها: أن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمالي إفريقية ولم يفدوا إلى هذه المنطقة من بلد آخر، وقيل أيضاً إنهم إما شرقيون وإما إيجيون (نسبة إلى بحر إيجة). أما المؤرخون العرب فيعدونهم شرقيين، أي كنعانيين أو حميريين وهي فرضية تبناها وعززها بالأدلة المستشرق هلفرتز Helferist، في حين انفردت فرضية الأصل الكنعاني بتأييد المؤلفين المحدثين (أنتيشان Antichan، ودوماس Doumas، وسلوشز Slouchz). ويرى المستشرق كاريت Carette أن الأمازيغ سكان أصليون امتزجوا مع الآسيويين، ولاسيما الفينيقيين، ويزعم بعض المؤرخين من ذوي الأغراض الاستعمارية أن ثمة تقارباً بين الأمازيغ والكلتيين (السلت Celtes والأنغلوسكسون والغال Gaulois، والباسك Bassques والقفقاسيين)، وذلك بهدف تسويغ سياسة الاندماج العرقي والاستيطان التي انتهجها الاستعمار في شمالي إفريقية، وذهب المؤلف نفسه إلى أبعد من هذا، إذ ادعى وجود قرابة بين الأمازيغ وأهل أمريكة.

ومن ناحية أخرى، فإن الصفات العرقية (الإثنية) للأمازيغ زادت المسألة تعقيداً، لأن بعضهم ذوو لون أشقر، وهذا ما جعل المؤلفين النزهاء الجانب يتحرزون إطلاق الأحكام جزافاً، فقالوا إن السواد الأعظم من أهالي الشاطىء الجنوبي وأهالي الشاطىء الشمالي للبحر المتوسط متقاربون في صفاتهم، ثم انضمت إليهم وفود كثيرة من الجنوب ومن الشرق وربما من الشمال أيضاً. لكن هذه الهجرات وقعت في عهود سحيقة لا يمكن تحديد تاريخها.

تاريخ الأمازيغ
آ ـ قبل الإسلام: إن كل ما يمكن أن يقال بشيء من التأكيد هو أن الأمازيغ استقروا في شمالي إفريقية منذ أقدم العصور، وقد ورد ذكرهم في مؤلفات المؤرخين والجغرافيين القدامى بأسماء عدة زالت أو نسيت، لأن الأمازيغ لم يعترفوا بها. فقد ذكروا أن النسمون Nasamons والبسيل Psylles كانوا يقطنون برقة وطرابلس الغرب، وأن الغرمانت Gramantes كانوا يعيشون عيشة بدوية في الصحراء، وأن المكلي Machlyes والمكسي Maxyes استقروا في الساحل التونسي، وأن النوميديين استقروا في المنطقة الشرقية من المغرب الأقصى، ورابط الغتول Getules على حدود الصحراء والهضاب العليا، في حين انتشر المور Moors في المغرب الأوسط والأقصى، واستطاع الفينيقيون ومنهم القرطاجيون وكذلك اليونان، أن يستعمروا بعض المناطق من تلك البلاد، إلا أن تأثير هؤلاء في السكان الأصليين كان ضئيلاً، ما عدا المناطق المجاورة لقرطاجنة، وكان الأمازيغ منقسمين إلى قبائل متصارعة حالت دون إنشاء دولة قوية طويلة الأمد، ولكنهم كانوا يتحدون كلما أحدق بهم خطر أجنبي، على أنه في أثناء الحروب البونية، حين سادت الفوضى في المنطقة الشرقية، شهدت البلاد في وسطها وغربيها قيام نوع من النظام السياسي، وتمكن مسينيسا Massinissa، بدعم من الرومان، من إنشاء مملكة جمعت شمل الأمازيغ وامتدت من نهر مولوية، أي من الحدود المغربية الجزائرية الحالية، إلى خليج سرت على الحدود الليبية التونسية، ولكن هذه المملكة لم تعمر طويلاً فانقرضت عام 46ق.م وغدت نوميدية الشرقية (الجزائر اليوم) إحدى الولايات التابعة للرومان.

أما المملكة الموريتانية التي أنشأها أغسطس عام 17م، ونصب عليها يوبا الثاني JubaII، فقد كانت أقصر عمراً لأنها تحولت إلى ولاية رومانية عام 42م.

دام احتلال الرومان لشمالي إفريقية حتى القرن الخامس الميلادي، وامتزج الأمازيغ في هذه الحقبة بالأجانب في ولاية إفريقية (تونس) وفي نوميدية، ما عدا الذين كانوا يعيشون في الجبال والهضاب العليا أو في جوار الصحراء وموريتانية، وقد اقتصر الرومان في أثناء الاحتلال على تجنيد بعض الأهالي وفرض الجزية عليهم، وتركوا مقاليد الحكم لشيوخ القبائل، ومع ذلك لم تخمد جذوة الاستقلال لدى الأمازيغ، وتجلّت أحياناً في حركات تمرّدية بقيادة ثلة من المتأثرين نوعاً ما بحضارة الرومان، مثل تكفاريناس (17- 29م) Tacfarinas، وأحياناً في غارات يقوم بها بدو الصحراء، أو قبائل الدواخل، التي لم تأخذ بأسباب الحضارة الرومانية إلا قليلاً. ومن الأمثلة على ذلك: الهجمات التي شنها النسميون والغرمانت في عهدي أغسطس ودوميتيان، وحركات التمرّد التي قام بها المور في عهد هادريان وأنطونين وكومود، وثورة الغتول في أثناء الفوضى العسكرية التي عمّت صفوف الرومان، وانتفاضة القبائليين بجبال جرجرة في نهاية القرن الثالث.

وهكذا، بقدر ما كان الحكم الروماني يضعف تدريجياً، كان ردّ فعل الأمازيغ يزداد قوة، معبرين عن خصوصيتهم باعتناق المذاهب «الهرطقية»، كالدوناتية مثلاً (نسبة إلى دونات، أسقف قرطاجنة المتوفى سنة 355م الذي أنشأ بدعة أحدثت شقاقاً في النصرانية) مما يدل على تمسك الأمازيغ بشخصيتهم، ورفضهم الذوبان في الكيان الأجنبي، لأن الحروب الدينية التي اجتاحت إفريقية (تونس) في القرن الرابع الميلادي، لم تكن في الحقيقة إلا حروباً بين الأهالي الغيورين على وطنهم والغزاة المغتصبين. ومن ذلك مثلاً ثورة الأمير الأمازيغي فيرموس (372- 275م) الذي سيطر على مدينتي سيزاري (شرشال اليوم) وإيكوسيوم (الجزائر العاصمة اليوم) وثورة أخيه كيلدون (398م) الذي قطع عن رومة الضريبة السنوية من المحاصيل الزراعية بقصد تجويع إيطالية وعاصمتها.

ولما كانت نقطة الضعف لدى الأمازيغ تتمثل في عجزهم عن توحيد الصف للتصدي بقوة للعدو المشترك، فإن عداوتهم للرومان مهدت الطريق لغزو البرابرة الواندل Vandales الجرمانيين، وقد واجه هؤلاء من الأمازيغ المقاومة التي واجهها الرومان قبلهم. ولئن تأتّى لقائدهم جيسريك (428-477م) Gaiseric أن يطوّع الأمازيغ بتجنيدهم في جيشه، إن خلفاءه اضطروا إلى خوض معارك لا تنتهي معهم. واستطاعت موريتانية وبلاد القبائل والأوراس وطرابلس أن تحافظ على استقلالها.

لم يكن البيزنطيون أسعد حظاً في احتلالهم شمالي إفريقية من سابقيهم، فقد رفع الأهالي راية الكفاح بقيادة أنتالاس Antalas (في بيزاسين Byzacene بتونس) ويبداس Yabdas (في الأوراس بالجزائر) فوقفوا في وجه القائد العسكري سليمان Soloman المنتدب من الامبراطور البيزنطي جستنيان الأول. وبعد مقتل هذا القائد في الحملة الموجهة إلى قبائل لواتة في طرابلس أصبح موقف البيزنطيين في شمالي إفريقية حرجاً جداً، حتى إن حنا تروغليتا Jean Troglita لم يستطع صد هجوم لواتة إلا بمساعدة أمازيغ الأوراس. غير أن الأهالي في مجموعهم لم يدينوا بالولاء للحكم البيزنطي. وباستثناء بيزاسين (الجنوب التونسي) والولاية الإفريقية القديمة (الشمال التونسي) والمنطقة الشمالية من ولاية قسنطينة Costantine والحواضر الواقعة على الساحل وبعض المعاقل الموجودة في الدواخل، فإن الأمازيغ كانوا يتمتعون بالاستقلال وكانوا في ذلك الوقت يتألفون من ثلاثة أقسام رئيسية:

ـ في شرقي البلاد (طرابلس وبرقة والجريد والأوراس) تقيم قبائل لواتة، المتفرعة إلى هوارة وأورغة ونفزاوة وأوربة.

ـ في غربي البلاد (المغرب الأوسط والمغرب الأقصى) تقيم قبائل كتامة في منطقة القبائل الصغرى، والزواوة في منطقة القبائل الكبرى، والزناتة في الساحل الجزائري بين منطقة القبائل ونهر الشلف، وبنو يفرن في المنطقة الممتدة بين نهر الشلف شرقاً ونهر مولوية غرباً، وغمارة في الريف المغربي ومصمودة على الساحل الأطلسي، وجزولة في جبل الأطلس الكبير، ولمطة في جنوبي المغرب، وصنهاجة المعروفة باسم أهل اللثام التي تعيش عيشة البدو الرّحل في الصحراء الغربية.

ـ في البقاع المحاذية للهضاب العليا، والممتدة من طرابلس إلى جبل عمور، تقيم قبائل زناتة، ومن تلك البقاع تنتشر تدريجياً نحو المغرب الأوسط والمغرب الأقصى.

ب ـ الأمازيغ بعد الإسلام: لم يتغير الوضع السابق كثيراً بعد مجيء العرب المسلمين الذين اقتصروا في بداية فتح شمالي إفريقية على شن بعض الغارات، ثم عمدوا إلى إنشاء مدينة القيروان (50 هـ /670م) لتكون قاعدة تنطلق منها عملياتهم العسكرية. ومع ذلك فالحملات التي قادها عقبة بن نافع كانت أقرب إلى الغارات منها إلى الفتوح، لأنه لم يتمكن من الاستيلاء على المدن التي بقيت في يد البيزنطيين، كما تعذر عليه الوصول إلى معاقل الأهالي في الجبال المنيعة، بل إن أحد زعماء الأمازيغ، وهو كُسيلةُ، أخذ عقبة على حين غرة وقتله في تهوذة، وتمكّن من إجلاء العرب المسلمين عن إفريقية (تونس)، وإقامة مملكة أمازيغية ضمت الأوراس والجنوب القسنطيني والجزء الأكبر من تونس (68-71هـ /687-690م) لكن كُسيلة لم يصمد طويلاً، كما لم تُجدِ مقاومة أمازيغ الأوراس التي لا تزال تُروى في الحكايات الشعبية، ممثلة في شخصية بطلتها الكاهنة فقد تحقق النصر للمسلمين، وبدأ الإسلام ينتشر بينهم وانخرطوا في الجيوش التي استطاعت تحت الإمرة العربية وأحياناً الأمازيغية (طارق بن زياد) أن تفتح، في بضع سنين، الشمال الإفريقي كله والأندلس في أقل من نصف قرن، ومع ذلك فإن العلاقات بين العرب والأمازيغ لم يكن يسودها الصفاء بصورة دائمة، لأن الأمازيغ كان ينتابهم الشعور بأنهم لم ينالوا ما يستحقون من مكافأة على خدماتهم ولا يعاملون على قدم المساواة مع العرب، مما جعل بعضهم ينحازون إلى مذهب الخوارج الصفرية أو الإباضية.

بدأ هذا التمرد في غربي البلاد عام (122هـ/749م) بزعامة أحد رجال مدغرة من الخوارج الصفرية اسمه ميسرة السقّاء، وبعد مقتل ميسرة على يد أبناء عشيرته لأمور أنكروها عليه، ولّوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي، الذي انتصر على الجيش الذي بعث به والي إفريقية عبيد الله بن الحبحاب بقيادة خالد ابن حبيب في موقعة الأشراف (122هـ)، فأرسل الخليفة هشام بن عبد الملك جيشاً للقضاء على الثورة بقيادة كلثوم بن عياض الذي هزم أيضاً وقتل (123هـ)، وألهب هذا النصر الذي أحرزه الخوارج حماسة بقية إخوانهم، فثار الخوارج الصفرية من زناتة وهوارة في المنطقة الواقعة بين قابس في إفريقية وطرابلس في ليبية وهددوا العاصمة القيروان، لولا تمكن حنظلة ابن صفوان، عامل هشام بن عبد الملك الجديد، من الانتصار على جيشين لهم بمعونة أهل القيروان في معركتين: معركة الأصنام على بعد مرحلة من القيروان، ومعركة القرن على بعد 6 أميال منها أواخر (124هـ/742م).

وعلى أهمية نصر جيش الخلافة بقيادة حنظلة بن صفوان، فإن ما أسفر عنه لم يتجاوز تخليص المغرب الأدنى أو إفريقية من الخوارج، أما بقية المغرب فبقيت بأيديهم، لأن الدولة انشغلت عقدين من السنين تقريباً بالفتن والثورات، وقُيّض لقبيلة ورفجومة الزناتية الخارجية (وهم من أتباع الصفرية) أن تحتل القيروان عام 139هـ/756م، ثم انتصرت قبيلة هوّارة (الإباضية المذهب) بقيادة أبي الخطّاب على قبيلة ورفجومة، وتأتّى لها أن تؤسس دولة إباضية تضم طرابلس وتونس والمقاطعة الشرقية من الجزائر، وبذلك زال بعض الوقت نفوذ الخليفة العباسي في إفريقية، على أن الأمازيغ ما لبثوا أن فقدوا ما غنموه بسبب انقسامهم المستمرّ، وكان ذلك إثر قدوم جيش من الشام وهزيمته لجيش أبي الخطّاب، فعادت إفريقية مرة أخرى إلى حوزة الخلافة العباسية عام (144هـ/761م)، لكنهم لم يتمكنوا من بسط سيطرتهم التامة على المغرب الأدنى إلا بعد أربعين سنة من المعارك الدامية التي بلغ عددها ثلاثمئة معركة، في رواية ابن خلدون. أما المغرب الأوسط والمغرب الأقصى فلم يدينا لهم بالولاء، بل تأسست في مختلف أرجائه دولة مستقلة عن الخليفة العباسي، تولّى الحكم فيها أمراء من أصل عربي، ورعاياها من الأمازيغ: ذلك هو شأن مملكة تيهرت (144- 296هـ/761- 908م) التي أسّسها الإمام ابن رستم، مستعيناً في ذلك بمن بقي على قيد الحياة من الإباضيين الفارين من المغرب الأدنى، والملتجئين إلى المغرب الأوسط، ومملكة سجلماسة التي تولّى الحكم فيها بنو مدرار (155- 366هـ/772- 977م) ومملكة تلمسان التي أسسها أبو قرة، شيخ بني يفرن، ومملكة نَكَّور في الريف بالمغرب الأقصى، ودولة بَرَغواطة على ساحل المحيط الأطلسي، ودولة الأدارسة التي أسسها إدريس الأوّل، من نسل الإمام علي بن أبي طالب في نهاية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، بمساعدة القبائل الأمازيغية (مكناسة، سدراتة، زوّاغة).

لم يعترف من دول الشمال الإفريقي بسلطان العبّاسيين سوى دولة الأغالبة شبه المستقلّة (184-296هـ/800- 909م) التي عمد أمراؤها إلى تجنيد الأمازيغ لفتح صقلّية، إلا أن الأغالبة اضطّروا إلى إخماد حركات تمرّد كثيرة قام بها أهالي طرابلس والجنوب التونسي والزاب والحضنة في الجزائر، لأن مقاومة الأمازيغ للعرب لم تضعف عما كانت عليه،بل توافر لها من القوة ما مكنها من تحقيق النصر لمذهب الشيعة مع مخالفتها التامّة لمذاهب الخوارج التي كان الأمازيغ قد انتصروا لها في القرن السابق. فقد أمدت قبيلة كتامة الداعي أبا عبد الله الشيعي بالجند الذين حاربوا الأغالبة وأسسوا الدولة الفاطمية القوية بزعامة عبيد الله المهدي سنة 297هـ/910م.

ولم يتمكن الفاطميون من إخضاع جميع الأمازيغ المنتشرين في رقعة جغرافية واسعة، ولئن تمكنوا من القضاء على مملكة تيهرت فإنهم عجزوا عن منع الأدارسة من توطيد حكمهم في المغرب الأقصى، ولم يفلحوا في ضم قبيلتي مغراوة وزناتة إلى صفّهم، لتفضيلهما الولاء لبني أمية المستقرّين بالأندلس. كما اضطر الفاطميون إلى إخماد ثورة الخوارج التي قام بها أبو يزيد (332- 336هـ/943- 947م)، لأنها كانت خطراً على نفوذهم، ولم يتغلبوا عليهم إلاّ بفضل مؤازرة صنهاجة بالمغرب الأوسط. وما لبث الفاطميون أن تحولوا صوب المشرق، ولم يكد الخليفة المعز لدين الله يوطد حكمه في مصر (362هـ/973م) حتى انصرف عن الاهتمام بشمالي إفريقية حيث تجدد النزاع بين مختلف القبائل الأمازيغية، من غير أن يتوافر لأي منها القوة التي تمكّنها من السيطرة على غيرها.

أمّا في شرقي البلاد، فإنّ صنهاجة التي أخذت مكان كتامة، ساندت بني زيري، حُكّام إفريقية وطرابلس (362- 563هـ/973- 1167م). وأمّا في غربي البلاد، فقد انتقل الحكم إثر سقوط الأدارسة في المغرب إلى بني زناتة الذين كانوا في أول الأمر ولاة تابعين لبني أمية في الأندلس، ثم نصبوا أنفسهم أمراء مستقلين في فاس واستمروا على هذه الحال إلى حين وصول المرابطين إلى الحكم (455هـ/1063م).

وفي بداية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي تجزأت دولة بني زيري، فظهرت في المغرب الأوسط الدولة الحمادية التي دان أمراؤها بالولاء للخليفة العباسي في بغداد، واتخذوا القلعة ثم بجاية عاصمة لهم (405- 547هـ/1014- 1152م). ثم عمت الفوضى البلاد بسبب اشتداد الصراع بين الأمازيغ، وتفاقم الوضع باجتياح قبائل بني هلال البلاد في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، وتخريبهم لإفريقية وجزء من المغرب وتأثيرهم العميق في التركيب السكاني لإفريقية الشمالية.

وفي غمرة هذه الفوضى انتهجت أسرتان من الأمازيغ المرابطين والموحدين منهج الإصلاح الديني، وأسستا دولتين هما دولة المرابطين ودولة الموحدين، نجحت كل منهما في توطيد سلطانها في شمالي إفريقية. والحقيقة أن انتصار المرابطين هو في الوقت نفسه انتصار لقبائل لمتونة ومسوفة وجدّالة، التي كانت في ذلك الحين تعيش عيشة البداوة والترحّل فيما بين المغرب الأقصى الساحلي وضفاف نهري السنغال والنيجر. وقد اعتنقت الإسلام في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، غير أنه لم يكن لها منه سوى الاسم، إلى أن أخذت تعاليم هذا الدين الحنيف وشعائره من الإمام عبد الله بن ياسين مؤسس طائفة المرابطين، المتوفى سنة 451هـ/1059م. وقد أخذت دولة المرابطين الفتية على عاتقها القيام بالدعوة لهذا الدين في المناطق المأهولة بالسودان بقيادة أبي بكر بن عمر اللمتوني وفي الساحل المراكشي بقيادة يوسف بن تاشفين. وسرعان ما توسعت فتوحات المرابطين في هذه المناطق وتجاوزت تلك الحدود. وقد تأتّى ليوسف بن تاشفين أن يؤسّس مدينة مراكش (465هـ/1073م) وأن يُخضع المغرب الأقصى كلّه في بضع سنوات، وكذا المغرب الأوسط إلى حدود مملكة بني حماد، كما أنه أوقف زحف جيوش النصارى في الأندلس عندما هزمها في معركة الزلاقة (479هـ/1086م)، وأعاد توحيد الأندلس بعد أن أخضع ملوك الطوائف وظلّ سيّد الموقف فيها.

وكما كانت انتصارات المرابطين سريعة فكذلك كانت هزائمهم، إذ استنفدت تلك الانتصارات قوى الأمازيغ وكشف احتكاكهم بحضارة متفوقة على حضارتهم عن نقائصهم وفتَّ من عَضُدهم، فاختفى بربر الصحراء واضطر خلفاء المرابطين إلى التعويض عن الأمازيغ بتجنيد العبيد والمرتزقة من النصارى. ومن ناحية أخرى فإن المرابطين أخذوا يفرّطون في الدين ويثيرون بسلوكهم استياء المتشددين من المسلمين، وهذا ما حدا بالمَصَامِدة (المقيمين في الأطلس الأعلى) الذين تأثروا بدعوة ابن تومرت[ر] ومذهبه التوحيدي، إلى الثورة على المرابطين تحت إمرة قائد عظيم يدعى عبد المؤمن من قبيلة «كومية»، وتغلّبوا عليهم (541هـ/1147م).

كانت الدولة التي أنشأها الموحّدون أكثر اتساعاً من الدول السابقة، لأن عبد المؤمن، وإن لم يوفّق في إخضاع الأندلس بأكملها، إلا أنه استطاع أن يقضي على مملكة بني حمّاد في بجاية ومملكة بني زيري في إفريقية، وأن يطرد النصارى من الثغور (الموانئ) التي استولوا عليها، وأن يسيطر على سائر المناطق الممتدّة بين خليج سرت والمحيط الأطلسي. وبذلك قامت دولة أمازيغية عظيمة احتلّت كامل المنطقة الواقعة في شمالي إفريقية، ولكن سرعان ما تقوّضت هذه الدولة أيضاً، لأنّ الموحّدين لم يكونوا أكثر تمسكاً بالدين الحنيف من المرابطين، حتى إن أحدهم، واسمه المأمون لعن ابن تومرت جهاراً، وما لبث التنافس بين مختلف العشائر الأمازيغية أن مزق شمل المملكة التي بناها عبد المؤمن وانقسم المغرب آنذاك إلى عدة دول فتيّة وهي: بنو مرين في فاس، وبنو عبد الواد في تلمسان، والدولة الحفصية في تونس، ولم تستطع أي دولة من هذه الدول أن تفرض إرادتها على الأخريات، أو أن تحظى بالهيبة حتى بين رعاياها فقد استمرت القبائل في المناطق الجبلية بمراكش في تمردها على بني مرين، وفي المغرب الأوسط خرج عن طاعة أمراء قسنطينة وبجاية وتونس بنو ومانو في الونشريس، والزواوة في جرجرة، والقبائليون في ولاية قسنطينة، وسكّان الميزاب والجريد، وكذلك كان الأمر في واحات جبل نفوسة والأوراس.

إن عجز الأمازيغ عن تنظيم أنفسهم ضمن دولة كبيرة واحدة أمر واضح للعيان، ولذلك يصعب على الباحث تتبع تاريخ قبائل الأمازيغ إلا إذا عمد إلى تقويم دور القبائل المختلفة، ولكن هذا العمل يبدو معقداً جداً نتيجة للتطورات والانقلاب في الأوضاع إثر اجتياح بني هلال للبلاد. ففي السهوب والهضاب اختلط الأمازيغ بالعرب، وتخلوا تدريجياً عن لغتهم وعاداتهم، بل استعاضوا عن اسمهم القديم باسم شخص عربي مشهور لعقد صلة النسب معه، وبهذه الكيفية أصبحوا من المستعربين، على أن هذا الانقلاب السكاني لم يمس بعض الفئات التي اجتمعت في الجبال المنيعة، كالأوراس وجرجة بالجزائر، والريف وجبال الأطلس بمراكش. وانضمّ إليهم هناك لاجئون كثر من مختلف الأجناس، كما نزحت بعض الفئات الأخرى منهم إلى الصحراء. وابتداءً من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي أصبح الأمازيغ يشكلون في المنطقة الواقعة على حدود السودان (الجنس الأسود) صفّاً من السكان يقابل الصفّ الذي شكّله العرب على حدود المغرب الأدنى والأوسط والأقصى. وقد صاحب هذا التدهور في الأوضاع تأخر حضاري حتى صار كثير من الأمازيغ أقرب إلى الهمجية، ولم يحتفظوا من الإسلام إلا ببعض الجوانب السطحية، وكان رجوعهم إلى الإسلام في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي بفضل المرابطين (أي المتمسكين بالدين من نزلاء الرباطات)، الذين قيل إنهم وفدوا من جنوبي مراكش ومن الساقية الحمراء التي اشتهرت لدى العامة بأنها موطن الأولياء الصالحين. وقد بلغ من تأثير هؤلاء أن طائفة من القبائل الأمازيغية كانت جد حريصة على وصل نسبها بهم.

مواطنهم
يؤلف الأمازيغ في ماضيهم وحاضرهم العنصر السكاني الغالب في الشمال الإفريقي، إلا أنهم قوم غير متجانسين، لأن معظمهم ليس لهم من الأمازيغية سوى اللغة، وهؤلاء لا يزيد عددهم على ستة ملايين، علماً بأنه لم يجر إلى اليوم إيّ إحصاء دقيق لهم. والأمازيغي ثنائي، بل أحياناً ثلاثي اللغة، لكن أكثرهم نسوا أصلهم وتخلّوا عن لغتهم وعاداتهم، واصطنعوا لأنفسهم نسباً عربياً مع وجود فئة قليلة أخرى تفتخر بأصلها الأمازيغي، مع أنها لا تتحدّث بلغة الأجداد. وبوجه عام فإن لغة الأمازيغ ما فتئت تتقلّص أمام العربية، ولاسيما بعد انتزاع الاستقلال من المستعمر الدخيل، فقد سارع هذا الأمر في تقلّص الرقعة الجغرافية الناطقة «بثامازيغث» (لغة الأمازيغ) ومن الظواهر التي سجلها التاريخ السياسي المعاصر، زوال «ثامازيغث» تماماً في بعض المناطق، لاسيما تلك الواقعة في شرقي البلاد، ومن المؤكد أن الوضع السياسي في شمالي إفريقية سوف يكون في مصلحة انتشار اللغة العربية، على أن معظم الأحزاب السياسية متفقة على الاعتراف بالثقافة الأمازيغية ولاسيما في الجزائر، عنصراً من عناصر الشخصية الوطنية.

ومع ذلك فلا تزال جماعات كثيرة من الأمازيغ تعيش في المناطق الجبلية وفي الصحراء حيث بقي التغلغل العربي ضعيفاً، مما ساعد الأمازيغ على الحفاظ على لغتهم وتقاليدهم هناك لتكون شاهداً على الوضعية العرقية واللغوية التي كانت سائدة في العصور القديمة. ومما قد يتعجب منه الإنسان، أن هناك من أبناء الأمازيغ من لا يحسن العربية الدارجة، بل لا يتكلم بها إطلاقاً، لكنه يحفظ القرآن عن ظهر قلب. وذلك أن المناطق الجبلية ظلّت أيام الاحتلال معقلاً للزوايا التي حافظت على التراث الوطني الأصيل، وهذا هو السبب في أنّ «ثامازيغث» تزخر بالعشرات من المفردات المعجمية التي أغفلت تماماً في اللهجات العربية حتى في الفصحى في الوقت الحاضر.

ويمكن القول إن كثافة التجمعات الأمازيغية تتزايد من الشرق إلى الغرب. وهم منتشرون ضمن رقعة جغرافية مترامية الأطراف، تمتد من الحدود المصرية (واحة سيوة وجربوب) شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالاً إلى حد انعطاف نهر النيجر (شاطئ همبوري Hambori الصخري) جنوباً.

في ليبية: تقيم جماعات الأمازيغ في جبال برقة وجبال غريان، ويَفْرَنْ، ونفوسة، كما تقيم أيضاً في واحات أَوجيلة، وسخنة، وتمسّا وعلى الساحل في زوارة، وعلى الحدود المصرية ـ الليبية في واحة سيوة، وتزعم بعض الجماعات التي تعيش في ضواحي طرابلس (أوجيلة وأورفلة) أنها أمازيغية الأصل مع أن لغة التخاطب بينهم هي العربية، ومجموعهم نحو 23% من سكان البلاد.

في تونس: تقيم جماعات الأمازيغ في ست قرى من جزيرة جربة، وهي عجيم وجلالة وصد وبقش والماي ومحبوبين وصدغيان، وتضاف إليها سبع قرى ببلاد تونس وهي: تماغورث وزراوة وتاوجوط وتامازيرث وشنيني ودويرة وسند، فضلاً عن جماعة ذات شأن منهم في مطماطة، وقد نزح الكثير من هؤلاء الأمازيغ إلى مدن الشمال، وخاصة تونس العاصمة، حيث يشغل بعضهم مناصب مرموقة، ومجموعهم نحو 1% من السكان.

في الجزائر: إن منطقة القبائل وجبال الأوراس هما معقل الأمازيغ حيث اتخذت حركة مقاومة الغزاة لها مركزاً. ولا تفصل بين منطقتي القبائل والأوراس سوى رقعة ضيقة يقيم بها العرب (في سطيف وضواحيها). أما في التل الجزائري والوهراني فالتجمعات الأمازيغية ضئيلة، باستثناء جبل البليدة والمنطقة الواقعة شمالي نهر الشلف (الونشريس، جندل، بنو مناصر، شنوة)، كما توجد جماعات أخرى على الحدود الجزائرية ـ المغربية (بنو سوس، قريباً من تلمسان) ومجموعهم نحو 30% من السكان.

في المغرب: ساعدت التضاريس الجغرافية للمغرب كثيراً على احتفاظ الأمازيغ بخصوصيتهم، وهم يسمون الشلح، ومع أن الكثير من القبائل تخلت عن استعمال الأمازيغية في التخاطب، إلا أن هذه اللغة ما تزال متداولة في المناطق الجبلية التي تقيم بها زناتة ومصمودة وصنهاجة في الريف المراكشي، وفي جبال الأطلس الشمالي والجنوبي، وفي سهول سوس Sous.

في الصحراء: يقيم الأمازيغ اليوم في المناطق الصحراوية بالجزائر والمغرب. وفي واحات وادي ريغ وورقلة (وركلان)، ونفّوسة، وفي القرى السبع بمنطقة ميزاب الجزائرية العطف وغرداية ومليكة وبنورة وبني يزفن والقرارة وبرّيّان، وفي قصور (قرى محصنة) قورارة وتوات وتيديكلت وفقّيق وتافيلالت ودادس، وفي رقعة مثلّثة الشكل شاسعة الأرجاء، بين غدامس في الشمال وتمبكتو في الجنوب الغربي وزندر في الجنوب الشرقي (غاط وجنّات والهفار)، حيث تعيش قبائل الطوارق. ما تزال «ثامازيغث» مستعملة في زناتة بموريتانية (نحو 250000 من السكان، منهم الترارزة)، وهي مستعملة أيضاً في ودّان، وإن كانت هذه اللهجة تختلط فيها «ثامازيغث» باللغة المحليّة المسمّاة الآزر L'Azer.

في ديار الهجرة والغربة: لا بدّ هنا من التفريق بين الهجرة الداخلية للأمازيغ، أي النزوح من المناطق المذكورة آنفاً إلى كبريات المدن بالمغرب كالدار البيضاء والرباط، أو بالجزائر كالعاصمة الجزائرية ووهران، حيث يكثر عددهم، والهجرة خارج حدود وطنهم، كما هو شأنهم في لبنان، حيث يعيش أحفاد من قبيلة كتامة، وفدوا إليه مع الفاطميين، وكما هو شأنهم في سورية ولاسيما دمشق، حيث هاجر كثير منهم مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830)، أو التحقوا بالأمير عبد القادر وأحفاده في ديار الغربة (1852). وقد استقرّ أكثرهم هناك ولم يعودوا إلى الوطن بعد الاستقلال (1962). وكذلك هو الشأن في بعض البلدان الأوربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لأن التجنيد الإجباري شملهم، فشاركوا في معاركها واستقر كثير منهم في فرنسة وألمانية وإيطالية، كما أرغمتهم ظروف المعيشة القاسية على الرحيل إلى بلدان أخرى ومنها القارّة الأمريكية، ولكن معظم الأمازيغ المهاجرين قصد فرنسة التي استقطبت نحو المليونين من المغتربين الوافدين إليها من شمالي إفريقية من الجزائر خاصة (أكثر من مليون)، وجُلّ هؤلاء من القبائليين النازحين عن جبال جرجرة القاحلة طلباً للرزق أو طمعاً في تحسين أوضاعهم الاجتماعية، مع كل ما يصحب ذلك من صعوبة في الاندماج ومن سوء التكيّف في بلد أخذ يضيق ذرعاً بالجموع الغفيرة من المغتربين واللاجئين (نحو أربعة ملايين من مختلف الأجناس).

معتقداتهم
كان الأمازيغ في العصور القديمة يدينون بعدد من العقائد المحليّة المختلفة باختلاف القبائل، ولا تتوافر معلومات كافية عن معتقداتهم، ويغلب على الظن أنهم كانوا يقدسون الكهوف والصخور والجبال والعيون والأشجار والأنهار، وكذلك بعض الأجرام السماوية كالشمس والقمر والكواكب الأخرى، وآثار ذلك باقية في الأساطير والاعتقادات والشعائر الدينية التي يمارسونها، وأكثر ما تلاحظ في الطقوس والأعياد الخاصة بالفلاحة من أجل الاستسقاء والحصاد، ولدى إقامة الأفراح في مناسبات معينة، وكما تبدو واضحة في احترامهم الأولياء الصالحين والاعتقاد بأنهم يتمتعون بالبركة، فيقيمون على أضرحتهم قباباً يزورونها ويتقرّبون إليها بالأضاحي ولا شك في أن الأمازيغ تأثروا منذ العهد البونيقي بالديانات الأجنبية، فدخل الكثير منهم في اليهودية التي انتشرت في شمالي إفريقية، بحيث يمكن القول إن أكثر الأهالي المتهوّدين، باستثناء المضطهدين الفارّين من الأندلس في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، هم من نسل الأمازيغ المعتنقين لليهودية قبل دخول الإسلام. وقد مهدت اليهودية الطريق للنصرانية التي سرعان ما انتشرت على كثرة العقبات التي واجهتها في مجتمع يدين بالوثنية ويميل إلى الثورة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النصرانية أفسحت في المجال أمام الأمازيغ لتوحيد كلمتهم في مواجهة الحكم الروماني، فاعتنقوا المذاهب المنشقّة عن الكنيسة في رومة (كالمذهب الأريوسي، والمذهب الدوناتي) وغيرهما.

وكذلك وحد الأمازيغ كلمتهم في بدء الفتح الإسلامي، لأنهم عدوا الفاتحين الجدد في البداية كغيرهم ممن سبقوهم. ولئن كانت جميع التفاصيل المتعلّقة باعتناق الأمازيغ للإسلام نهائياً غير معروفة جيداً، إن بعض المؤرخين كابن خلدون يؤكدون أنهم ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة مرة، ولم يتم إسلامهم جميعاً إلا في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، حين لم يبق أحد منهم على دين المسيح، في حين ظلت بعض الطوائف القليلة العدد على دين اليهود إلى يومنا هذا. ويقول المؤرّخ أبو إسحاق أطفيش في هذا الصدد: «لقد حصل امتزاج البربر بالعرب منذ أذعنوا للإسلام ووقفوا على كمالاته الخلقية والدينية والاجتماعية بما لم يقع منهم على أمة من الأمم التي استولت على شمالي إفريقية، وذلك لأمور: الأول أنهم من أصل واحد وهو السامية. والثاني أنهم رأوا من جلال الهداية الإسلامية ما لم يروه قبلها. الثالث أن العرب اتخذوا بلاد البربر وطناً لهم فكانوا مع البربر جنباً إلى جنب: عملاً ومصاهرة واختلاطاً، بخلاف الروم والوندال والقرطاجيين والرومان، فإنهم كانوا بمعزل عن أبناء البلاد. الرابع وجود التوافق في كثير من الشيم والعادات بين العرب والبربر، كإكرام الضيف والغيرة على العرض والشمم والأنفة وحماية الذمار وبساطة المعيشة، وكان من البربر فحول من العلماء والشعراء والفلاسفة، ألفوا في العلوم العربية والشرعية كأنهم من أقحاح العرب».

إن هذا الامتزاج بين الأمازيغ والعرب هو الذي جعل العلاّمة ابن خلدون يقول في الصفحات الأولى من «المقدمة»: «فأنشأت في التاريخ كتاباً رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً، وفصّلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً، وبنيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار، وملؤوا أكناف النواحي منه والأمصار، وما كان لهم من الدول الطوال أو القصار، ومن سلف من الملوك والأنصار، وهم العرب والبربر، إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرب مأواهما، وطال فيه على الأحقاب مثواهما، حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما»، ولعل ابن خلدون كان مبالغاً حين أضاف: «ولا يعرف أهله من أجيال الآدميين سواهما» لأن أجناساً كثيرة سبقت العرب واحتلت شمالي إفريقية. ولكن الذي يشفع لابن خلدون، هو أن تلك الأمم الغابرة لم تتجاوب مع الأهالي، لا في الأخلاق ولا في التقاليد ولا في المعتقدات، فكان مصيرها العبور بأرض رفضت أن تكون لهم مستقراً ومقاماً.

كان الأمازيغ في بداية الفتح على مذهب السّنة، ولكنهم سرعان ما انقلبوا إلى الأخذ بآراء الشراة والخوارج من الصفرية والإباضية التي بدت لهم أقرب إلى تحقيق المساواة من غيرها. ومنهم من انحاز إلى مذهب الشيعة وإلى الأدارسة في فاس (المغرب الأقصى)، وانحاز بعضهم الآخر إلى الإسماعيلية الفاطميين، وقدمت قبيلة كتامة الدعم الأساسي لعبيد الله المهدي. كما ظهر هذا الميل إلى التطرف في اتجاه معاكس مع قبيلة لمتونة التي انتصرت لأهل السنة من المرابطين في الصحراء، وكذلك مع قبيلة مصمودة في الأطلس التي أسست دولة الموحّدين وقضت على من خالف معتقدها، باستثناء بعض الطوائف من الخوارج الذين اعتصموا بالجبال أو لاذوا بالصحراء والسواحل المحاذية للبحر، استعداداً للهجرة إلى ما وراء البحر.

وقد وقعت محاولتان لإقامة دين جديد في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي بمنطقة الريف (شمالي المغرب) وعلى الساحل الأطلسي، أما المحاولة الأولى فكانت على يد شخص يهودي الأصل من برباطة بالأندلس اسمه صالح بن طريف، أظهر الإسلام فانخدعت به بعض قبائل البربر واتبعت تعاليمه الشبيهة بدين المجوس فعرفوا باسم «البرغواطية» (وهو تحريف لبرباطية)، وأما المحاولة الثانية فقد كانت على يد شخص عرف باسم حاميم المفتري. وفيما يخصّ المذاهب الإسلامية الأربعة، فإن أكثرها انتشاراً بين الأمازيغ هو مذهب مالك ابن أنس، ويليه مذهب أبي حنيفة النّعمان. وقد أنجب الأمازيغ قبل إسلامهم أحد أقطاب الفكر المسيحي، وهو القدّيس أُغسطينوس (354- 430م)، أسقف بلدة هيبون التاريخية، القريبة من مدينة عنابة بالجزائر، وهو من مواليد ثاغست Thagaste (تسمى اليوم سوق أهراس). كما ظهر منهم بعد إسلامهم مفكرون كبار في علوم الشريعة وعلوم اللغة خاصة. كما اشتهرت بعض المناطق الأمازيغية باحتضانها الكثير من الزوايا التي كان لها شأن كبير من الحفاظ على الشخصية الوطنية وعلى التراث الثقافي الذي كان مهدداً بالزوال في عهد الاستعمار.

تقاليدهم ونظامهم الاجتماعي
استرعى انتباه الباحثين تقاليد الأمازيغ المخالفة بعض الشيء لتقاليد العرب، ولاسيما فيما يتعلق بالمرأة التي تتمتع بمزيد من الحرية لدى الطوارق في الهُغار Joggar، وبكثير من الاحترام لدى الشاوية في الأوراس، وهي لا تحتجب لدى القبائليين، ما عدا نساء الطائفة التي تسمى المرابطين أي المشايخ ورجال الدين، لأن كل قرية لها مرابطون يتكفلون بالشؤون الدينية (صلاة الجمعة والجنازة والأعياد)، ويحلّون النزاعات، والزواج بينهم محصور في نطاق المرابطين، غير أنه يحق للمرابط أن يتزوج امرأة غير مرابطة، وليس العكس. وعلى العموم فالزواج عندهم وسيلة للحفاظ على صلات الدم وعلى العصبية، فالمصاهرة تتم في أغلب الأحيان بين الأقارب، ولاسيما بين أبناء العم، لكن هذه العادات أخذت اليوم تزول تدريجياً، وخاصة في المدن، حيث لم يبق ثمة فرق بين المرابط وغير المرابط، بسبب زوال الوظائف التي كان يقوم بها المرابط في القرية، وحيث أصبح للزواج اعتبارات أخرى. على أنه لا ينبغي أن يفهم من القرابة بالعَصَبة أن الأسرة الأمازيغية منغلقة، ولا تفسح في المجال للتضامن والتآزر، بل على العكس، لأنَّ الجماعة «ثاجمايث» تقوم بدور أساسي في نسج خيوط التآخي بين أفراد القرية، إذ لا بد من وجود «ثاجمايت» فيها، وهي كالنادي يتردد عليه أفراد القرية في أوقات الراحة للتداول في مختلف الشؤون، فضلاً عن المسجد الذي لا تكاد تخلو منه قرية، ويقوم هو كذلك بجمع الشمل وغرس القيم.

ترتكز معيشة الأمازيغ على تعاطي الفلاحة والتجارة وممارسة مختلف الصنائع في نظام اجتماعي هو مزيج من النظامين البدوي والحضري. ويتخذ بعضهم الخيام سكناً في الصحراء، في حين يشيد البعض الآخر داراً متواضعة من الحجر والملاط، يؤلف مجموعها حومة (أذروم)، ومن مجموع الحومات تتألَّف القرية (ثادّارت) في جبال جرجرة في منطقة القبائل. وثمة فريق ثالث يشيدون داراً فاخرة يؤلف مجموعها حيّاً سكنياً يسمى القصبة، وهذه الديار (في جنوبي مراكش)، تشبه بهندستها المعمارية المباني الموجودة في جنوبي الجزيرة العربية.

ومما استرعى انتباه الباحثين أيضاً بقاء العادات، أي ما اتفق الناس على فعله وتوارثوه من جيل إلى آخر. وينطبق هذا الأمر في بلاد القبائل على تحديد حقوق الفرد وميراثه، منها على سبيل المثال أن لا يكون للمرأة نصيب في الأراضي والعقارات، مخافة أن تنتقل بالزواج إلى أسر أخرى، علماً بأن إخوتها من الذكور يكفلونها إذا هي أصبحت مطلّقة أو أرملة. وهناك تقاليد أخرى تسمى العرف، والفرق بين العادات والأعراف، أن العادات ملزمة للقبائل كلها ولا يجوز تعديلها إلا بموافقتها. كأن تقضي العادة أن لا ينقل الفرد مكان إقامته من قرية إلى أخرى، ويعد ذلك عاراً بسبب انسلاخه عن أبناء عشيرته وانتهاكه لقانون القرابة بالعَصَبة، وانتقاله إلى قوم قد يحدث معهم صراع أو نزاع في المستقبل حول ملكية الأراضي أو غير ذلك. أما الأعراف فهي ملزمة لأفراد القبيلة، ولهم الحق في تعديلها. كأن تحدد مبلغ الغرامة التي يجب دفعها في حالة تغيب الفرد عن اجتماع أهالي القرية، أو في حالة دخول قطيع جاره إلى حقله، إن هذه التقاليد traditions، المتمثلة في العادات usages والأعراف coutumes إنما هي شفاهية، وغير مكتوبة، وإن كان بعض أمناء القرية قد أخذوا يدونون بالعربية وحتى بالفرنسية ـ ولكن ليس باللغة الأمازيغية ـ أنواع المخالفات والمبلغ المستحق لكل منها، ويعدلونها كلما اقتضى الأمر ذلك، علماً بأن السجن غير وارد في العقوبات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القضاء الفرنسي لم يكن مطبقاً في المناطق النائية بالقبائل والأوراس، حيث توجد قرى لم تطأها أقدام المستعمرين إلا إبّان الثورة الجزائرية (1954- 1962)، وكان يتولى القضاء فيها حكّام أو مشايخ من المرابطين أو أعضاء الجماعة (ثاجمايث)، أي اللجنة المكلفة تسيير الشؤون العامة في القرية والفصل في النزاعات وتحديد مبلغ الدّية. فهذه المحاكم الأهلية كانت سريّة في الجزائر، ولكنها اكتست في المغرب صبغة قانونية بصدور الظهير البربري المؤرخ في 16 أيار 1930، وهو مرسوم تشريعي ملكي ينظم شؤون البربر في المغرب.

شؤون البربر في المغرب
وكما أن تقاليد الأمازيغ مختلفة بعض الاختلاف عن تقاليد العرب، فكذلك الأمر في النظام الاجتماعي والسياسي القائم هناك على القرابة بالعَصَبة. وأصغر وحدة اجتماعية عند الأمازيغ هي «الكانون» أي الموقد الذي يجتمع حوله أفراد الأسرة الواحدة للتدفئة في الشتاء وانتظار الطعام (الكسكسي) الذي يقدم في قصعة يتحلّق حولها الرجال، وقصعة أخرى تتحلق حولها النساء. وتسمى الدار التي تضم أفراد الأسرة «الحارة»، وقد يصل عدد سكانها إلى أربعين، لأن أحوال الأمن القاسية، واغتراب الرجال داخل الوطن أو خارجه، والظهور بمظهر القوة كيلا يستضعفهم أحد، كل ذلك يقتضي التجمع في حارة واحدة، ومن هذه الحارات تتألّف الحومة (أذروم)، ومن الحومات تتألّف (ثادرات)، ومن القرى تتألّف العشيرة (لارش)، ومن العشائر تتألّف القبيلة (لَقْبايل).

إن مبدأ القرابة يندرج في نطاق الولاء التام للجماعة، وهذا المبدأ الثاني المكمّل للأول يفرض على كل فرد واجب التضامن والتعاون، كالسّخرة الجماعية (تيويزة) مجّاناً، مثل بناء الدار، وما يستلزمه من نقل مواد البناء الثقيلة، على أكتاف الرجال أحياناً، من مكان بعيد، ومثل إيواء المسافرين وإطعامهم في بيت مخصص لهذا الغرض، ومثل منح الحماية للمستضعفين، ومثل الإنفاق على الفقراء والمساكين في مناسبة خاصة وتسمى عندهم ثيمشرط وتتميز بذبح الثيران وتوزيع لحومها، على نفقة الأغنياء والمغتربين العائدين إلى الوطن.

ولئن كان النظام الاجتماعي يوحي لأوّل وهلة بأنه قائم على مبادئ الإخاء والتعاون في الشدائد والتآزر في الملمّات، فإن النظام السياسي يكشف عن وجود نسقين متعارضين تماماً ولكنهما قابلان للتوفيق، مما يشير إلى تنوّع العناصر العرقية الملتئم شملها تحت شعار الأمازيغية، أولهما هو النسق الأرستقراطي المتميز بالتعايش بين طبقة من الأعيان والأشراف، المستعدة دوماً لخوض المعارك، وطبقة أخرى من رجال الدين، وطبقة من الأتباع، وجماعة من المأمورين أو الخدم (يسمى الواحد منهم الخديم). إن هذا النسق من النظام السياسي موجود لدى الطوارق الذين يحكمهم رئيس الجميع، ويسمى أمين العقل، وكل قبيلة يحكمها شخص يلقبونه أمغار، أي الشيخ، وثانيهما هو النسق الديمقراطي الذي يعتمد على نوع من الحكم الجمهوري، أو نوع من الشورى في سنّ القوانين. ومن ذلك: نظام القرى في بلاد القبائل والأوراس (بالجزائر) وجبال الأطلس (بالمغرب). وفي الحقيقة ليس لهذا النظام السياسي من الديمقراطية سوى الشكل، لأن القرار السياسي محصور في الأعيان والأغنياء والمشايخ ورجال الدين.

لغات الأمازيغ
حاول المستشرق الفرنسي روني باسي، في النصف الأول من القرن العشرين، أن يقدم نبذة تاريخية وافية عن لغة الأمازيغ. غير أن البحوث التي قام بها هو وغيره طرحت الكثير من التساؤلات التي ظلت بلا جواب. ومع ذلك فإن النتائج لم تكن سلبية تماماً لأن تلك البحوث مكنت من جمع المادة وتصنيفها وتحليلها. وقد جرت محاولات لاستنباط محصلة ترقى إلى مستوى الحقائق اليقينية لدى بعضهم، وتظلّ في مستوى الفرضيات الواهية لدى آخرين.

لكن الشيء المؤكّد، على أي حال، هو أن «ثامازيغث» لغة سماعية شفوية بالدرجة الأولى، وأن تاريخها غير معروف بسبب افتقارها للوثائق المكتوبة. وذلك أن الشروع في تدوين نصوصها لم يتم إلا في القرن التاسع عشر. أما الكلمات التي وصلتنا عن طريق الدارسين (من مختلف الأجناس) فقد مسّها التحريف، فأعطت صورة باهتة عن اللغة في واقعها. حتى الأمازيغية التي يتحدث بها أهالي جزر الكناري (لغة الغوانش guanche)، مع أنها بقيت على أصلها ولم تتأثر بلغات الغزاة الفاتحين، فهي لا تساعد كثيراً على الكشف عن أسرارها: ما أصلها؟ ما طبيعتها؟ متى وضعت؟.

إن الباحث اللساني عندما يستقصي بحثه إلى ما وراء عصر الموحدين، لا يعثر على أي وثيقة أمازيغية، ذلك أن القرون الأولى من الفتح الإسلامي مظلمة له أكثر مما هي للباحث المؤرخ. أما العصور القديمة فإنها تضع الباحث أمام مشكلات عويصة لكونها حافلة بالآثار والوثائق حول اللهجات الإفريقية، إلا أنها ما تزال وستبقى في طيّ المجهول، لأن الأهالي لم يتكلّفوا باستنطاقها، وهم بذلك أجدر، وعلى كشف أسرارها أقدر لو شاؤوا، لكنهم تركوا الأمر كله للمستشرقين والمستكشفين الأجانب، حتى أصبحت وقفاً عليهم، لا ينازعهم في ذلك أحد.

والأغرب من هذا أنه، إذا أراد أحد من الأمازيغ أن يبحث في أمثال هذه المسائل فإنه يصادف من بني قومه نوعاً من العداء والنفور، وقد يعد من دعاة التفرقة بين السكان، ومن بقايا أعوان الاستعمار. وأكبر دليل على ذلك أن كرسي اللغة والثقافة الأمازيغية ألغي في الكثير من الجامعات المغاربية، والبحوث العلمية في هذا الميدان مفقودة أو تكاد، ولم تسترجع الأمازيغية بعض الاعتبار إلا في عام 1990 بفتح دائرة لها في جامعة تيزي وزّو (الجزائر).

ولئن كان من المتعذر اليوم، بسبب قلة الباحثين، إقامة البرهان على وجود صلات القرابة بين ثامازيغث واللهجات الإفريقية أو انعدامها، فإن بعض الآثار والوثائق السابقة الذكر متوافرة في وطن الأمازيغ. فقد كُشف ما يزيد على الألف من المنقوشات الليبية على الحجر، وحروف هجائها معروفة بقدر كاف، إلا أن ترجمة العبارات المنقوشة متباينة إلى حد بعيد، ومعنى ذلك أن تلك الكتابات ما تزال تحتفظ بسرّها. كذلك تم العثور في شرقي ليبية على كتابات بالحروف اللاتينية لم تعرف معانيها ما عدا بعض الكلمات اللاتينية والبونيقية (البونية) الواردة في النص الليبي. أضف إلى ذلك أن كثيراً من الألفاظ الإفريقية (ومعظمها أسماء أعلام) مبثوثة في الكتابات البونيقية واليونانية واللاتينية خاصة، وقد تأكّد أن بعضها بونيقية، أما الباقي فأصلها مجهول.

يستنتج من هذا كله أن مادة البحث، وإن كانت وافرة، إلا أنها لم تعط النتائج المرجوّة، والسبب في ذلك أن الباحثين قلما يغامرون في هذه المجاهل، ولا يقدمون على خوض هذا الميدان إلا عرضاً، لدى قيامهم بالتحقيق في مجالات أخرى. ومن ناحية أخرى فإن هذه الكتابات الأثرية مبثوثة هنا وهناك عبر الزمان والمكان، ولم يتوصّل الباحثون إلى تحديد تاريخها، ما عدا واحدة تحمل تاريخ 139ق.م.

أمام هذا البعد التاريخي الذي يمتد عبر القرون، وأمام هذا البعد المكاني الذي يمتدّ هو الآخر من الحدود المصرية إلى موريتانية، بل يمتدّ في بعض جوانبه الثقافية والحضارية واللغوية، من الخليج إلى المحيط، فإن الباحث ينبغي أن يكون حذراً في إطلاق أحكامه فلا ينساق وراء الحلول السهلة، كأن يظن أن المفتاح لمعرفة أصل «تامازيغث» يتمثّل في دراسة اللهجات الأمازيغية وتأليف المعاجم لها، وإجراء المقارنات بين مفرداتها، واستخلاص وجوه التقارب والتباعد، وكذلك عدم التسرع في وضع الفرضيات التي لا تتوافر لها البراهين الكافية. كأن يفترض وجود ارتباط مباشر بين الليبية والأمازيغية وأن إحداهما مشتقّة من الأخرى، مع التسليم بأن البربر هم أول من سكن شمالي إفريقية منذ أقدم العصور. وهنا يطرح سؤالان: هل كانت توجد لغة أخرى غير الأمازيغية في هذه المنطقة؟ وهل هي اللغة التي تتضمنها الكتابات الليبية؟ إن الشيء المؤكد هو وجود تشابه بين الكتابة الليبية والكتابة الطوارقية إلا أن هذا لا يعني وجود قرابة بين اللغتين.

هناك محاولات كثيرة لإيجاد صلات القرابة بين «تامازيغث» وغيرها من اللغات. قد بالغ بعضهم بمقارنتها بلغة الباسك ولغة الحوصة (الهوسا). ويرى روسلر Rossler أن «تامازيغث» إنما هي لغة سامية قريبة من الأكدية. أما النظرية الراجحة فهي التي تقول إن «تامازيغث» تنتمي إلى شجرة اللغات الحامية ـ السامية hamito semetic، وتندرج فيها مع اللغة المصرية القديمة واللغات الكوشية أو الحامية المتداولة في الحبشة (إثيوبية)، وهي متفرعة عن اللغات السامية.

لكن الأهم من كل هذه المحاولات هو أن يعكف الباحثون المتخصّصون في علم اللهجات في شمالي إفريقية، على دراسة مدى تأثير العربية المغاربية في «ثامازيغث»، والعكس بالعكس. إذ تعد المفردات التي استعارتها «ثامازيغث» الحديثة من العربية بالمئات، كما أن العربية استعارت هي أيضاً الكثير من المفردات الأمازيغية، مثل: قلمونة (غطاء الرأس)، قندورة (عباءة)، برنوس (ثوب فضفاض من الصوف)، كسكسي (نوع من الطعام).

كذلك يوجد تشابه كبير بين «ثامازيغث» وبعض اللهجات المتداولة في اليمن والحبشة. ولا بد كذلك من الإشارة إلى تأثير الفرنسية في «ثامازيغث» إذ انتقلت المفردات التي استعارتها العربية الدارجة من الفرنسية، إلى الأمازيغية (وتعدّ بالعشرات)، وفيما يخص الرصيد اللغوي «لثامازيغث» فقد أثار هذا الموضوع اهتماماً كبيراً، إلاّ أن الدراسات التي أنجزت غير دقيقة، ولا يتوافر إحصاء شامل لكل مفردات هذه اللغة. وقد أحصى كل من معجم فوك foucauld في اللهجة الطوارقية، ومعجم دالَة dallet في اللهجة القبائلية، على التوالي1400-3500 من الأفعال غير المزيدة، ويشتمل هذا الرصيد على حصيلة مشتركة بين سائر اللهجات، ومما يلفت الانتباه، كثرة المفردات المستعارة من الفرنسية (باستثناء الدارجة الطوارقية التي حافظت على صفائها النسبي)، إلا أن الاستعارة من العربية أقوى،لأنّها أثّرت ليس فقط في الرصيد اللغوي، بل كذلك في قواعد النحو والصرف وأساليب التعبير، ويتميز هذا الرصيد بأنه يتعلق بالمحسوس لا بالمجرّد، وهو دقيق كل الدقة فيما يخص تربية الناقة والجمل عند الطوارق، والفلاحة والسقي في الأطلس الكبير ومنطقة القبائل أما في المجال الديني والثقافي، فالمفردات الموظّفة فيهما مستعارة بالدرجة الأولى من العربية، علماً بأن مجالات الإبداع في الأمثال والأشعار وقصص الأطفال كشفت عن إمكانات أدبية لا يستهان بها.

الدارجة واللهجة: إن دراسة الدارجات مكّنت الباحثين من تخطّي المشكلة العويصة المتمثلة في إثارة أسئلة تكاد تكون ميتافيزيقية، من نوع: ما أصل «ثامازيغث» وإلى أي شجرة من اللغات تنتمي؟ فدراسة الدارجة تنقل الباحث من مجال الفرضيات والنظريات إلى مجال اللغة في واقعها، كما يتحدث بها الناس في رقعة جغرافية محدودة، ولذلك أسفرت هذه الدراسة عن نتائج إيجابية، من بينها أنه أمكن تحديد أهمّ الدارجات وهي:

دارجة صنهاجة، المتداولة في الصحراء الغربية وموريتانية ولدى بعض القبائل الطوارق.

دارجة الشُّلُح، في السوس الأقصى بالمغرب.

دارجة جبال الأطلس بالمغرب.

دارجة الريف بشمالي المغرب.

دارجة زناتة، ما بين المغرب والجزائر.

دارجة قصور، في واحات تيذيكلك، توات، غورارا، زناته، الونشريس.

دارجة زواوة في منطقة القبائل الكبرى وبجاية، وهي من اللهجات التي حافظت على أصالتها نسبياً.

دارجة ميزاب وورقلة ووادي ريغ.

دارجة الشاوية في جبال الأوراس.

دارجة القبائل الصغرى، المتداولة ما بين سطيف وسوق أهراس بالجزائر.

دارجة قبائل مطماطة وسند وجزيرة جربة بتونس.

دارجة جبل نفوسة، القريبة من لهجة سكان الواحات، مثل غدامس وغاته، أوجلة وسيوة وعلى الحدود الليبية المصرية.

إن تحديد هذه الدارجات خطوة إيجابية في مجال البحث العلمي. ومع ذلك تبقى المشكلة قائمة عند تصنيفها، فقد ذهب بعضهم إلى أن تصنيفها ينبغي أن يكون على أساس تقسيم السكان إلى قبائل فيُقال: دارجة صنهاجة، دارجة زناتة، دارجة الشُّلّح، وغير ذلك، ويؤكد هؤلاء بأن الخصائص اللسانية هي التي يجب اعتمادها، لذلك يمكن أن تُصنَّف من حيث كونها انسيابية dialectes spirants أو انغلاقية occlusifs. وهنا يلاحظ أن بين الشلح مثلاً، مع أن الشلحة هي الدارجة التي تجمعهم، فروقاً في كيفية تلفظهم ببعض الصوتيات (فونيمات)، فهل يمكن تقسيمهم إلى فئات لغوية أصغر؟ إن هذا التساؤل جعل «باسي» يتخلى عن عبارة «الدارجة» dealecte ويتبنَّى عبارة «اللهجة» parlez، لأن الدارجة يمكن أن تنقسم إلى 4000 أو5000 لهجة، والجغرافية اللسانية تقول إن كل رقعة من البلاد تتميز بألفاظها وتعابيرها وكيفيات نطقها. ورأي «باسي»، وإن كان وجيهاً لا يمنع من القول بوجود نوع من الانسجام اللغوي في المناطق ذات الوحدة الجغرافية خاصة كبلاد الشُّلّح والقبائل والأوراس. أما النقطة التي يختم بها هذا العرض فهي أن الاتصال اللفظي لدى الأمازيغ يتميز على العموم بوحدة اللسان الذي من خصائصه التنوع في كيفيات النطق وأساليب التعبير.

الآداب والفنون
الآداب: عند تصفح كتب التاريخ القديم والحديث لا يعثر للأمازيغ على لغة تعبر عن حضارتهم سوى لغة الأجانب الذين احتلوا بلادهم. فقد استعمل الأدباء عندهم قليلاً اللغة البونية في الكتابات الجدارية، واللغة اللاتينية. ومنهم «أبولي» apulie والقديس أوغسطينوس. ومن المحتمل أن يكون بعضهم قد كتب باليونانية، ولكن أكثرهم كتب بالعربية من أمثال ابن خلدون والعشرات من الأمازيغ المعاصرين الممتلكين زمام لغة الضاد، أمثال مفدي زكريا ومولود قاسم ونايت بلقاسم وصالح خرفي وعثمان سعدي وأحمد الأخضر غزال وحنفي بن عيسى، وبالفرنسية في عهد الاستعمار، حتى بعد الاستقلال مثل مولود فرعون، ومولود العمري، وكاتب ياسين، وطاوس عمروش، وغيرهم. لكن هذا لا يمنع من القول إنه مع وجود أزمة في أداة التعبير، فثمة أدب أمازيغي أصيل (كتابي أو سماعي)، وأدب شعبي يتجلى خاصة في الأمثال والحكم والأقوال والقصائد من الشعر. والأدب وثيق الصلة بحياة الأمازيغ، ففي بيوت منطقة القبائل وفي خيام الصحراء، لا تكاد المرأة تشرع في تشغيل رحى اليد حتى ينطلق لسانها بالغناء ولا ينام وليدها إلا على ترنيمة مهدهدة، كما أن الأمسيات تجمع أفراد الأسرة والجيران حول القصّاص أو القصّاصة، بل حتى أشغال الحقول لا تخلو من الغناء، حيث تردد جنبات الوديان ترانيم الفلاحين. وهناك مناسبات خاصة تكثر فيها الفرص للرقص والغناء وإنشاد القصائد الدينية، كحفلات الزواج والمولد النبوي وموسم زيارة الأولياء الصالحين، ويتّخذ الغناء وسيلة للإمتاع الفني أو للمؤانسة أو للتنفيس عن الكرب أو لنسيان الهموم، أو لمجرّد التسلية، كما هو الشأن في الأناشيد التي تصحب الأشغال في ورشات البناء وفي الحقول.

قد يقول قائل إن هذا النمط من الإنتاج الثقافي أقرب إلى الفنون الشعبية منه إلى الأدب، ومع ذلك فلا يجوز أن يقتصر على المعايير الكلاسيكية في تقويم آثار فنية تعاقبت عليها حقب الدهر، ونقلت معها نكهة الماضي، وإن كانت تنتمي إلى صنف الإنتاج الثقافي الطقوسي النمطي، فهي في الوقت نفسه تنمُّ على حساسية مرهفة وتؤدي وظيفة فنية وتكشف عن براعة صاحبها في تكثيف خبرته الذاتية ومقدرته على صياغة المعاني في قوالب الألفاظ. من ذلك بعض الأناشيد التي ترافق بها النساء طحن الحبوب برحى اليد في الأطلس المتوسط المراكشي، وكذلك بعض القصائد التي تصف المعارك وتمجّد الأبطال.

لما صدرت القصص، أو الحكايات contes الأمازيغية في أواخر القرن التاسع عشر، وتوالى صدورها في القرن العشرين، استرعت اهتمام رجال الأدب المقارن، فاستخرجوا منها الموضوعات التي تناولتها، وعقدوا مقارنة بينها وبين الحكايات المتداولة في المشرق الإسلامي وحوض البحر المتوسط وبلدان أوربة الغربية، ولكن مثل هذه الدراسة تدخل في نطاق اللسانيات العرقية ithnolinguistique لأن قصد أصحابها هوالتماس وجوه الشبه والاختلاف في العقليات والاتجاهات والمطامح والأذواق بين شعوب هذه المناطق، وبذلك أهملوا دراسة فنّ الحكاية الأمازيغية التي تختلف لغتها، من حيث المبنى والمعنى، عن لغة التفاهم اليومي. فلغة الحكاية فيها من التعابير ومن التحايل على المعنى، ومن البراعة في إحداث الأثر المطلوب، ما يجعلها أقرب إلى الإبداع الأدبي منها إلى الأدب الشعبي. أما الشعر فإن أول ما يلفت النظر حرص الشعراء (بعضهم يجمع بين الشعر والموسيقى، فيؤلف النصّ ويلحّنه)، على الصدق في التعبير وإتقان الصناعة اللفظية من أجل إثارة إعجاب السامع أوالقارئ.

إن الإنتاج الفكري في ثامازيغث يثير مشكلة اختيار الكتابة الملائمة لمختلف الأصوات اللغوية ملاءمة واضحة، وهي مطروحة اليوم للنقاش بعدما شرع في إعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية في الجزائر خاصة. وهناك محاولات لإحياء حروف الهجاء التيفيناغية، القريبة فيما يبدو، من حروف الهجاء الليبية القديمة.

إن اعتماد تلك الحروف يضع المثقف المغاربي أمام ثلاثة أنظمة من الحروف: أولاً الحروف العربية التي لا غنى عنها، لأنها كانت وستكون العمدة الأساسية في بناء صرح حضارة المغرب.

ثانياً: الحروف اللاتينية التي لا غنى عنها هي أيضاً، لمواكبة العصر والحوار البناء مع الحضارات العالمية وخاصة تلك التي ازدهرت في حوض البحر المتوسط. ثالثاً: نظام آخر من الحروف التيفيناغية التي يستلزم إتقانها بذل جهد إضافي لأنها تكاد تكون غريبة عن شعب الأمازيغ ولا حاجة إليها إلا من أجل القيام بالدراسات التاريخية والبحوث الأثرية لاستنطاق الكتابات الجدارية، وربما لن يتيسر تعلمها والتدرب عليها إلا للباحثين.

لهذه الأسباب يبدو أن اعتماد الحروف العربية في كتابة النصوص الأمازيغية هو السبيل الأقوم للأسباب الآتية:

أولاً: لأن العربية هي أداة الاتصال المثلى في الوطن العربي مشرقاً ومغرباً، بكل فئاته وطوائفه ومذاهبه وحساسياته الدينية وغيرها.

ثانياً: لأن الحروف العربية قريبة من الحروف الأمازيغية بدليل أن الأمازيغ ينطقون بالعربية من غير لكنة أعجمية، خلافاً للأجانب الذين قلما تستقيم ألسنتهم على مخارج حروفها.

ثالثاً: لأن الاتجاه في الكتابة العربية إنما هو من اليمين إلى اليسار، وكذلك الأمر في الكتابة الأمازيغية.

رابعاً: لأن ثامازيغث تشتمل على مئات من مفردات لغة الضاد، ولم يبق إلا أن يجتهد علماء الصوت phoneticiens واللسانيون في وضع قواعد وإيجاد الصيغ التي يتأتى بها التمثيل الأمين للأصوات الأمازيغية، بقصد تسهيل عملية القراءة من غير عثرات ولا عقبات.

إن هذا التعديل الخفيف في الرسم الإملائي، والاجتهاد في إيجاد الحروف الناقصة ضروريان لمشروع استعمال الحرف العربي في كتابة النصوص الأمازيغية ولتطوير العربية، إذ بذلك يمكن التخلص من مشكلة الرسم الإملائي للهمزة، ومن الحيرة التي تنتاب القارئ عندما يحاول نطق بعض الكلمات على الوجه الصحيح، ويمكن لغة الضاد من إعارة حروفها الهجائية لمختلف اللغات المتداولة في العالم الإسلامي، ولاسيما في القارة الإفريقية التي تفتقر لهجاتها المرشحة لأن تصبح لغات رسمية، إلى الحرف الملائم لها. ولا يخفى على أحد أن الكتبة والطباعين وعامة الناس يتغافلون دائماً عن وضع الهمزة والشدَّة مما يزيد القراءة عسراً، في زمان أصبحت فيه الدول تجنّد النفسانيين والتربويين لوضع تقنيات التدرب على القراءة السريعة عن طريق تحديد عوامل «قراءة النص» readability وذلك بقصد ربح الوقت والإحاطة بالعلوم، لأن القراءة هي مفتاحها.

إن إعارة الحرف العربي للغات ذات علاقة بالحضارة الإسلامية هي الخطوة الأولى نحو إنشاء مجموعة الدول الناطقة بالعربية (العربوفونية)، على منوال الأنجلوفونية والفرنكوفونية واللوزوفونية (الناطقة بالبرتغالية)، وبذلك تحتل العربية مكان الصدارة بين اللغات الحيّة، وتنهض بالرسالة المنوطة بها، وتعزز مكانتها بين العالم.

وفيما يخص الآثار الأدبية الموسومة بالطابع الديني، فقد نسج معظمها على منوال المصنفات العربية ولا يزيد عددها على بضع عشرات، علماً بأنه لم ينشر منها إلا القليل، وقد كان القصد من تأليفها تعليم الناس أركان الإسلام وهداية المؤمنين، ومن هذه الآثار مصنفان، كتبهما بالشلحة محمد بن علي بن إبراهيم في القرن الثامن عشر، أحدهما عنوانه «الحوض» رسالة مستمدة من «المختصر» لسيدي خليل في الفقه الإسلامي، وقد ترجمها إلى الفرنسية لوسياني luciani (الجزائر1897)، أما الثاني فهو تكملة الأوَّل، وعنوانه «بحر الدموع»، وقد تولى المترجم دوسلان de slane نشر جزء منه. وممَّا له صلة بهذا النوع من التأليف ترجمة القرآن إلى الأمازيغية على يد حاميم وصالح بن طريف، ولكن لم يبق لها أثر، شأنها في ذلك شأن المؤلفات الثلاثة التي كتبها بالشلحة المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحِّدين. وعلى العموم يمكن القول إن الأمازيغ، منهم خاصة، والخوارج، اهتموا بتأليف الكتب الدينية، ومن بينها «المدوَنة» في الحديث،لابن غانم الإباضي. ويقول الشيخ إبراهيم أطفيش: «وقد عني الإبَاضية بالتأليف بالبربرية منذ ظهروا بين البربر أوائل القرن الثاني للهجرة، وكانت هذه الوسيلة من أسباب تمكين البربر في الإسلام».

وحتى الشعر اتّسم هو أيضاً بالطابع الديني مثل قصيدة «جعابي» التي وصف فيها كيف نزل شاب إلى الجحيم بحثاً عن والديه، وقصائد سيدي حمو وفاطمة تاجورامت وقصة المعراج والترجمة الأمازيغية لقصيدة البوصيري «البردة»، والمدائح الدينية وغيرها ويضاف إلى ذلك ما أنجزته الإرساليات الكاثوليكية والبروتستنتية من ترجمة للإنجيل بثامازيغث (العهد القديم والعهد الجديد)، بقصد التبشير والتنصير.

وفيما عدا الكتب الدينية التي ذكر بعضها، فإن الإنتاج الأدبي في غيرها للموضوعات قليل، ويقتصر هنا على الإشارة إلى صدور بعض المعاجم (عربي ـ أمازيغي) أو بعض الكتب في الطب التقليدي، وكتاب «وصف غرب إفريقية» (ألفه سيدي إبراهيم بلهجة ثاشلحيت)، وكتاب «وصف جبل نفوسة» (ألفه الشماخي باللهجة النفوسية). ويمكن أن يضاف إلى ما سبق مجموعة من القصص بعنوان «كتاب الشلحة» والمقتبس من كتاب «بختيار نامة»، وقصص «المئة ليلة» التي تولى روني باسي جمعها وترجمتها إلى الفرنسية ونشرها في «مجلة التقاليد الشعبية» و«نصوص النثر الطوارقي» التي نشرها شارل دي فوكو Ch.De foucauld (الجزائر 1922) كذلك تجدر الإشارة إلى أن «جذاذية التوثيق الأمازيغي» التي تولى إصدارها منذ 1947 الأب دالي Dallet في مدينة فور ناسيونال بالجزائر (تسمى اليوم الأربعاء ناث ييراثن) لم تقتصر على نشر الوثائق اللغوية والعرقية، بل نشرت أيضاً بعض النصوص وبعض المسرحيات المكتوبة بلغة ثامازيغث.

هناك مؤلفات أخرى تسمى «القانون»، لها علاقة بالعادات والأعراف التي كانت وما تزال إلى اليوم محسوسة في سلوك الأفراد ومعاملاتهم، وهي محفوظة لديهم بالسّماع وقد تولى جمعها كل من ابن سديرة Ben Sedira: «دروس في اللغة القبائلية»، وبوليفة Boulifa: «قانون آذني» Le Kanoun D'Adni.

أما الأدب الشعبي (الفلكلور)، فهو من الناحية اللغوية، أكثر أهمية لجلاء الثقافة الأمازيغية من المؤلفات الأدبية الدينية، لأن هذه الأخيرة اختلطت بالعربية اختلاطاً كبيراً، في حين بقي الأدب الشعبي الأمازيغي نقياً، خالياً من الدخيل ومتنوعاً ما بين قصص عجيبة وحكايات مضحكة أو مسلية، وأحاجٍ محيرة وأساطير تاريخية أو دينية ومدائح نبوية وخطب مأثورة في الأفراح والأتراح، وأمثال وأقوال يتناقلها الشيوخ ذوو الحكمة من جيل إلى جيل وكذلك النساء الموهوبات في الأدب الشعبي. وقد كان من السهل على الباحثين استقاء هذا النوع من الأدب بفنونه المختلفة لا على أساس كونها فلكلوراً بل على أساس كونها قواعد لغوية ونصوصاً ثقافية.

أما الشعر الدنيوي فمع أنه ما يزال موسوماً بالطابع البدائي إلا أنه يعد الفن الأدبي الأمازيغي الأكثر أصالة، وبين الأمازيغ شعراء محترفون إذا صح التعبير، مع أن الموضوع الأساسي الذي يتطرقون إليه منحصر في الحب والحرب. فهؤلاء الشعراء يجوبون مختلف أرجاء البلاد، للمشاركة في إحياء المناسبات العظيمة وإلقاء قصائد المدح، يتوجهون بها لذوي الحسب والنسب والمال. أو قصائد الهجاء لمن خيب ظنهم. ومن بين هؤلاء القبائلي سي محند أو محند، والطوارقية داسين، اشتهرا على الصعيد المحلي مع أن آثارهما ترقى إلى مستوى رفيع من الفن الإبداعي، ولعل السبب في ذلك أن الشعر بقي سماعياً، وهو معرض للنسيان لأنه لا يوجد رواة للأدب الشعبي الذي لا يحظى بالرعاية الكافية.

الفنون: لم يبق من آثار الأمازيغ الفنيّة إلا الشيء القليل، من نوع النقوش والرسومات الصخرية، التي هي غاية في الروعة والجمال. لكن علماء الآثار يتساءلون عما إذا كان الذين أنجزوها هم فعلاً من الأمازيغ لكثرة الأجناس البشرية التي تعاقبت على شمالي إفريقية والشيء المؤكد على أي حال، هو أن ما بقي من الآثار المعمارية الأمازيغية القديمة لا يرقى إلى مستوى الفن المعماري العربي والأندلسي. ذلك أن صورة الإنسان الأمازيغي في العصور القديمة، هي صورة الرجل الريفي أو البدوي المترحل الذي يكفيه أن يمتلك بعض الأدوات الضرورية القابلة للنقل من مكان إلى مكان. لذلك اقتصرت الفنون عنده على إدخال بعض العناصر الجمالية الزخرفية على المكان الذي يحتضنه ويعيش فيه، كما اقتصرت على بعض الصناعات التقليدية التي لا يسعى من ورائها إلى إثارة الإعجاب بقدر ما يسعى إلى تحقيق المنفعة. فمصنوعاته التي يرغب فيها ويطلبها بعض الأجانب تنحصر في الزرابي (السجاد) والستائر والخيام والحصائر (جمع حصيرة) والحرائر والدباغة والسراجة والحلي والمطرزات والمرصعات والخزفيات والنحاسيات، أما من حيث الزخرفة والتزيين والتنميق، فكل ذلك يتمثل في الخط المستقيم (المثلث والمعين والمربع، وغيرها) فضلاً عن صناعة الأثاث واستعمال الخشب في الزخرفة والتفنن في تمثيل بعض الحيوانات، مع الامتناع عن تشخيص الإنسان في صورة تمثال، عملاً بما أقره الإسلام من تحريم كل ما له علاقة بالأصنام.

حنفي بن عيسى

مراجع للاستزادة
ـ ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر (مطبعة بولاق 1284هـ).
ـ ابن خلدون، المقدمة (بيروت 1982).
ـ ابن عذاري، البيان المُغْرب (ليدن 1848-1851).
ـ عبد العزيز بن عبد الله، تطور الفكر واللغة في المغرب الحديث، معهد البحوث والدراسات العربية (الجامعة العربية 1969).
ـ شارل أندري جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة (تونس 1969).
- A.BASSET, La langue berbere, morphlpgie, etude de themes (Paris 1919).
- H.BASSET, Etude sur la literature des berberes (Alger 1938).
- L' art des berberes (Alger 1956).
- A.ROUX, La vie berbere par les texts (Paris 1955).
- E.WESTERMARCK, Ritual and Belief in Morocco (London 1926).

الأُفق الأندلسى (3/7) .. حربُ الكاهنة وثورات البربر

بواسطة : آفر برس بتاريخ الاثنين، 21 فبراير 2011 | 6:42 ص

يوسف زيدان - المصري اليوم
لا يمكن الكلام عن دخول المسلمين إلى الأندلس، بمعزلٍ عن «السياق التاريخى» والأحداث الكبرى التى جرت على «الساحة الدولية» فى ذاك الزمان.. وقد أشرنا فى المقالتين السابقتين إلى أن فتوح الشمال الأفريقى، والأندلس من بعد، بدأت بغزوتين للأراضى الليبية والتونسية، قام بهما تباعاً عمرو بن العاص وعبدالله بن أبى سرح. وفى الغزوتين، كان القتال يدور بين العرب والروم، العرب المسلمين والروم المسيحيين (الملكانيين) ولم تكن «القبائل» المنتشرة فى شمال أفريقيا، قد دخلت بعدُ فى المواجهات العسكرية النظامية.وكان من المفترض أن تنشط حركة (الفتوح) بعد سنة 34 هجرية، لأنها السنة التى انتصر فيها المسلمون على الروم فى الموقعة البحرية، المسماة من كثرة صوارى السفن المشاركة فى القتال: ذات الصَّوارى. غير أن اندلاع الخلاف على خلافة المسلمين بين الإمام علىِّ بن أبى طالب (رجل الدين) ومعاوية بن أبى سفيان (رجل الدولة) سنة 35 هجرية، أدى إلى توقفٍ تام لحركة الفتوح شرقاً وغرباً، بل أدى إلى ضياع بعض البلاد من يد المسلمين، ومنها (تونس) التى كانوا يسمونها: إفريقية.

■ ■ ■

وبعد خمس سنوات من مقتل الإمام علىٍّ (سنة 40 هجرية) غدراً على يد «الخوارج» وفشلهم فى اغتيال معاوية بن أبى سفيان الذى صار آنذاك (خليفة) للمسلمين، أو بالأحرى (ملكاً) يتوارث بنوه الحكم من بعده.. عادت مع سنة 45 هجرية حركةُ الفتوح إلى سابق عهدها، فقام «معاوية بن خديج» بغزو ليبيا وتونس، واستطاع أن يهزم جيش الروم هناك. وقام «عبدالله بن الزبير بن العوام» بفتح (سوسة) وما حولها، وصار على المسلمين فتح بقية الشمال الأفريقى، بحرب الروم والبربر معاً.. وبالمناسبة، فإن اسم (البربر) لا يرتبط من قريب أو بعيد، بوصف (البرابرة)، الذى أطلقه الرومان ومن بعدهم الروم (البيزنطيون) على القبائل العنيفة التى كانت تسكن شمال وغرب أوروبا. فالبربر اسم لقبائل سكنت الشمال الأفريقى الممتد من ليبيا إلى المغرب، من قبل مجىء الإسلام بقرون.. وبعض المؤرخين يذهب إلى أنهم فى الأصل، قبائل عربية هاجرت من الجزيرة العربية، أو هجرتها بسبب الكلأ الشحيح، وحطت بها يد الترحال فى تلك النواحى النائية. ولكن هذا الرأى، فيما أرى، يفتقر إلى الدلائل المؤكدة.

المهم، أن المسلمين استكملوا فتوحاتهم غرباً، وهو الأمر الذى قام به «عقبة بن نافع» الذى وصل إلى أقصى المغرب الأقصى (المملكة المغربية حالياً) وأوقفه المحيط الأطلنطى عن التقدم غرباً.

وكان البربر قد بدأوا الدخول فى دين الله أفواجاً، غير أن زعيماً منهم اسمه «كُسَيْلَة بن لمزم» ارتدَّ عن الدين الجديد، وجمع جيشاً حارب به المسلمين، وانتصر عليهم سنة 62 هجرية، وانتزع من أيديهم (القيروان) وقتل عقبة بن نافع. غير أن الجيش الإسلامى بقيادة «زهير بن قيس» عاد للكرِّ على البربر، وهزمهم سنة 69 هجرية، واستردَّ القيروان وقتل كُسَيْلَة بن لمزم.. ولكن حروباً أخرى كانت تنتظر المسلمين، أهمها حربُ قرطاجنة وحربُ الكاهنة.

■ ■ ■

استغل الإمبراطور البيزنطى توغُّل المسلمين غرباً، ودَعَمَ عاملَه الرومىّ (حاكم قرطاجنة) بأسطولٍ كبيرٍ من جزيرة صقلية، فاجتاح الجيشُ الرومى منطقة «برقة» وقطع الطريق بين عاصمة الخلافة الإسلامية (دمشق) وجيش المسلمين الذى كان قد توغَّل غرباً.. واضطر القائد المسلم «زهير» للعودة شرقاً للدفاع عن «برقة»، لكنه انهزم على يد الروم، وقُتِل (استشهد!) ومعه معظم القوَّاد والجند. وبذلك، فقد المسلمون الشمال الأفريقى، والجيش الذى كان قبل سنوات يمضى قُدُماً إلى جهة المغرب.. وعن هذه الهزيمة (النكسة) يقول د. عبدالله عنان فى موسوعته (دولة الإسلام فى الأندلس) ما معناه:

«كان وقع هذا الخطب شديداً فى حكومة دمشق (الخلافة الأموية) وكانت مشغولة آنذاك بمحاربة ابن الزبير وصَحْبه الخوارج عليها (الثائرين)، فمضت أعوامٌ أخرى قبل أن تتمكَّن من العناية بشؤون إفريقية (تونس)، فلمَّا انتهت الثورة وقُتِل ابن الزبير، وجَّه عبدالملك بن مروان عنايته إلى استعادة إفريقية، فولَّى عليها حسَّان بن النعمان الغسانى سنة 73 هجرية (692ميلادية) وسيَّره إليها بجيشٍ ضخمٍ كان أعظم قوة (عسكرية) سيَّرتها الخلافة الأموية إلى إفريقية، فاخترق حَسَّان «برقة» وقصد قرطاجنَّة عاصمة إفريقية الرومانية، التى كانت لا تزال فى يد الروم، ولم يغزُها المسلمون لحصانتها واتصالها بالبحر وقُربها من صقلية، حيث كانت تُرسل إليها الإمدادات البيزنطية، بسرعة.

وحاصر «حَسَّان» قرطاجنة (قرطاج) حصاراً محكماً، ثم اقتحمها واستولى عليها، ولكن إمبراطور الروم (البيزنطيين) سيَّر إليها جيشاً بقيادة حاكمها «يوحنا» يعاونه أسطول من صقلية، وقوة من القوط أرسلها ملك إسبانيا القوطىُّ الذى أزعجه اقتراب العرب من بلاده. فانسحب العربُ وارتدوا إلى القيروان، حتى إذا جاءتهم الإمدادات أعادوا الكرَّة على قرطاجنة، وهزموا الروم والقوط هزيمةً شديدة ففرَّوا إلى سفنهم، وخُرِّبت قرطاجنة وهُدِّمت حصونها القوية، ثم سار «حَسَّان» غرباً وهزم الروم والبربر فى عدة مواضع، واستعاد الإسلام سلطانه بين برقة والمحيط (= ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب)».

وقد نقلتُ الفقرة السابقة، على طولها، من هذا المصدر المعتمد، لأنها تشير بوضوح إلى ثلاث نقاطٍ مهمة تتعلق بالفتوح الإسلامية، وفَهْمنا لها نحنُ المعاصرين.. النقطة الأولى، أن فتح المسلمين لقرطاجنة (قرطاج) احتاج «أضخم جيش إسلامى دخل أفريقيا» ومعروف أن مدينة الإسكندرية (عاصمة مصر، مدينة الله العظمى) كانت أهم وأكبر وأمنع من قرطاجنة، فكيف استطاع عمرو بن العاص فتحها قبل ذلك بعقودٍ قليلة من الزمان، إذا كان جيشه قليلاً فى العدد والعُدة؟ إذن، فإن صورة فتح الإسكندرية (مرتين) فى أذهاننا، غير كاملة وغير سليمة. فالجيش الذى «حاصرها» به عمرو بن العاص، لم يكن بهذا العدد القليل الذى نظنه، لأنه ضمَّ معه عشرات الآلاف من العرب الذين كانوا يسكنون مصر من قبل الإسلام. وعمليةُ الفتح ذاتها (فى المرتين) تشوبها ظلالٌ قوية نتجت عن العلاقة «الخفية» بين المقوقس والمسلمين، حسبما عرضنا فى السباعية الماضية، وهو ما يفسِّر وَصْفى لفتح مصر بأنه كان، بحسب التعبير المعاصر: «تسليم مفتاح». ويفسِّر فى الوقت ذاته، العدد الضئيل جداً الذى خسره المسلمون فى حرب الإسكندرية (اثنان وعشرون رجلاً) قد يكون بعضهم قد مات أثناء «الحصار» بسبب البرد ونزلات الأنفلونزا! فى زمنٍ لم تكن فيه المضادات الحيوية التى نستعملها اليوم، قد اكتُشفت بعد.

والنقطة الثانية، هى ظهور «القوط» لأول مرة فى حرب المسلمين والروم، وقد ظهروا كحلفاء للروم ومعاونين لهم، لاعتقادهم بأنهم ما عادوا بمنأى عن الأخطار (الإسلامية) التى تجتاح الأقطار الأفريقية الشمالية، ولا بد لها فى نهاية الأمر من تهديد سلطانهم بإسبانيا.. وهو الأمر الذى وقع بالفعل بعد سنوات قليلة، كما سنرى بعد قليل.

والنقطة الثالثة الأخيرة، هى أن المسلمين خَرَّبوا أسوار قرطاجنة. ونحن نعرف أن عمرو بن العاص، كان من قبلها بعقود قد خرَّب أسوار الإسكندرية.. ومن المفترض (نظرياً) أن هذه الحصون تحمى الجيوش، والغالبُ المنتصرُ إذا كان هدفه عسكرياً مجرداً، فمن مصلحته أن يحتفظ بهذه الأسوار ليتحصَّن فيها.. لكن المسلمين كانوا يأتون إلى البلاد، ليمكثوا! لا ليجنوا خيراتها باعتبارها «مغانم» تحرسها الجيوش التى تحرسها الحصون والقلاع.. فتأمل.

■ ■ ■

أما حرب «الكاهنة» التى كانت حلقةً من حلقات «ثورات البربر» على الحكم الإسلامى، فقد وقعت فى المغرب الأقصى. فهناك اجتمعت قبيلة (جراوة) وقبائل أخرى من البربر، تحت قيادة امرأةٍ قيل إنها كانت تشتغل بالسحر والكهانة، هى: دهيا بنت ماتية بن تيفان. والمصادر البيزنطية (اللاتينية) تسميها «داميا» والمصادر العربية تلقِّبها بالكاهنة.. وبعض المصادر، من هنا ومن هناك، تشير إلى أن هذه المرأة الزعيمة، كانت تدين باليهودية! وهو الأمر الذى أشكُّ فيه كثيراً، لأن الديانة اليهودية، فى أصلها التوراتى وتطورها التلمودى؛ تنظر إلى المرأة نظرةً لا تسمح لها بالزعامة والقيادة، فضلاً عن «الكهانة» وعن رئاسة الجيوش.

كانت الكاهنة تحكم المنطقة المسماة (جبل أوراس) فلما جاء حسَّان بن النعمان الغسَّانى بجيشه الجرَّار، خرجت إليه بجيش أشدَّ استطاع أن يهزم جيش العرب المسلمين، ويضطره إلى الفرار شرقاً بعد موقعةٍ هائلة انتصرت فيها الكاهنة وارتد «حسَّان» إلى برقة، فسارت وراءه الكاهنة بجيشها وسيطرت فى طريقها على بلاد كثيرة، حتى صارت معظم نواحى تونس والجزائر تحت حكمها.. وظل الحال على ذلك لخمسة أعوام، حتى دَعَم الخليفة عبدالملك بن مروان جيشَ المسلمين بجماعات كبيرة من الجند، فتقهقرت الكاهنة غرباً وأحرقت فى طريقها المدن والنواحى، ليصعب على جيش المسلمين استكمال الطريق غرباً، فى تلك الصحراوات القاحلة.

لكن المسلمين لم يتوقفوا عن ملاحقتها، حتى التقى الجمعان (الجيشان) عند جبل أوراس، فظهر المسلمون على الكاهنة، وقتلوها، وانتصروا على جموعها من قبائل البربر.. والظاهر أن نصر المسلمين لم يكن ساحقاً، لأنهم ارتضوا بأن يبقى ابن الكاهنة حاكماً على منطقة جبل أوراس، على أن يدين للمسلمين بالولاء والطاعة، ويمدَّهم باثنى عشر ألف مقاتل، لدعم جيشهم وتحقيق بقية الفتوحات، تعويضاً عَمَّا فقده المسلمون فى حروبهم الدامية بشمال أفريقيا.. أتذكَّر الآن محمود درويش، حين يقول:

ألوفٌ من الجند ماتت هناك

دفاعاً عن القائدين اللذين يقولانِ:

هيَّا

وينتظرانِ الغنائم فى خيمتين حريريتين

من الجانبين

.. يموت الجنودُ مراراً،

ولا يعلمون إلى الآن

مَنْ كان منتصراً.

■ ■ ■

وراحت النواحى المغاربية تدلف تباعاً فى دائرة الدولة الإسلامية، ويصير البربر رويداً من المسلمين. وإن كانوا قد ظلوا يرون فى أنفسهم شرفاً ومكانةً، ليست للعرب! وبالمناسبة، فهم لايزالون إلى اليوم فى دول الشمال الأفريقى، يستعلون بأصولهم على العرب (الحاكمين)، باعتبار أن قبائل «البربر» فى ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، هم أصحاب البلاد الأصليون.. وهم لا يقبلون فكرة أن البلاد لمن يسكنها ويتوالد فيها جيلاً من بعد جيل، وأن «النقاء العِرْقى» محض خرافة اجتماعية يكذِّبها التاريخُ الطويل، وتدحضها ملامحُ الناس المتشابهة فى كل قُطر.

■ ■ ■

وفى الوقت الذى كانت فيه البلاد المغاربية (الشمال الأفريقى) تدخل فى نطاق دولة العرب المسلمين، كانت البلاد المشرقية (فارس وأواسط آسيا) تدخل فى النطاق ذاته.. وفى قلب دولة الإسلام، كانت هناك مشكلات كثيرة، وقلاقل، وحكايات. وكان هناك رجلٌ من التابعين (الجيل الثانى بعد الصحابة) اسمه «موسى بن نصير» يقال إن مولده كان سنة 19 هجرية، وإن أصله من قبيلة «بكر بن وائل» الذين غلبهم خالد بن الوليد وأخذ منهم أسرى، كان منهم والده «نصير» الذى صار من موالى قبيلة «لخم»، وصار لاحقاً واحداً من حرس معاوية بن أبى سفيان. وقد نشأ ابنه «موسى» فى بلاط الأمويين، وخدمهم فى عدة وظائف عسكرية ومدنية حتى لاحقته فى الشام اتهاماتٌ باختلاس أموال، فكاد «الحجَّاج بن يوسف الثقفى» يفتك به، لولا تدخُّل «عبدالعزيز بن مروان» أمير مصر الأُموىّ، الذى أنقذه من بطش الحجَّاج وجعله حاكماً على المغرب، فثار عليه البربر من جديد، لكنه غلبهم بعدما اتخذ منهم هناك معاوناً عسكرياً هو طارق بن زياد الليثى.. الذى عبر بالجيش الإسلامى إلى الأندلس، حسبما سنذكر فى مقالتنا القادمة.

الأُفق الأندلسى (2/7) .. اختلافُ التسمية وتسمية المخالفين

يوسف زيدان - المصري اليوم
عندما علَّم اللهُ آدم (الأسماءَ كلَّها)، حسبما جاء فى القرآن الكريم، من دون توضيح طبيعة «اللغة» التى جاء منها هذه الأسماء. فقد كان ذلك (حسبما أعتقدُ) نوعاً من الانتقال بالأشياء «المعلومة» من حالة الوجود العام، أو انعدام الوعى بها، إلى حالة الإدراك الإنسانى للشىء المسمَّى، وحضوره فى الوعى الإنسانى. فالاسم فى واقع الأمر، هو شهادة وجود الشىء فى وعينا وإدراكنا الإنسانى، وغير المسمَّى هو حالة وسطى بين العدم الكلى للشىء والإدراك الأول له.. لعل هذا الكلام فلسفىٌّ، لا يناسب (حسبما يعتقد البعض) المقالات المنشورة فى الصحف! فلنقدم أمثلةً عليه، كى نقترب به إلى الأفهام:
نعرف جميعاً، أن فى السماء أجساماً سابحةً فى الكون اللانهائى، منها ما ندركه ونعطيه اسماً «القمر ، الشمس، عطارد.. إلخ» فيصير (موجوداً) فى أذهاننا، ومنها ما لا ندركه فلا نعطيه اسماً محدَّداً، فيصير كأنه غير موجود، أو هو فى مرتبةٍ وسطى بين الوجود والعدم. ولذلك، فإن فى سيناء (مثلاً) جبالاً كثيرة، لكننا خصَّصنا جبلاً منها باسم (جبل موسى) وجبلاً آخر باسم (جبل الربَّة) وهكذا، وما لم نعطه اسماً فهو مجرد جبل، ليس له «مستند وجود» فى وعينا، حتى نعرفه ونميِّزه باسمٍ من الأسماء، فنخرجه بذلك من التأرجح بين حالتىْ الوجود والعدم الذهنى .

واختلافُ أسماء وصفات المواضع عينها، والجماعات ذاتها، من المشكلات «المشوِّشات» للإدراك، وهى مشكلاتٌ من شأنها أن تُحدث ارتباكاً فى الوعى، سواءٌ بالنسبة للناظر فى التاريخ أو للمتأمل فى الواقع، فالكثير منا على سبيل المثال، لا يعرفون أن «بيزنطة» التى تُنسب إليها مرحلة مهمة من التاريخ (العصر البيزنطى) هى ذاتها مدينة «إستانبول» الحالية، وهى أيضاً «الآستانة» و«القسطنطينية وإسلام بول» و«إسطنبول».. والبلدة المصرية التى وقعت عندها أولى المواجهات العسكرية بين جيش عمرو بن العاص القادم لفتح مصر، والجيش البيزنطى (جيش الروم) لها ثلاثة أسماء! فالروم يسمُّونها باسمها اليونانى «بيلوز»، والعرب الفاتحون يسمُّونها «الفرما» بينما سكان مصر يعرفونها باسم: البَرَمون، ونهرنا المسمَّى فى التوراة «نهر مصر الكبير» اسمه عند العرب «النيل» وهى تسميةٌ مشتقةٌ من اسمه اليونانى «نيلوس»، بينما كان سكان مصر القدماء لا يعرفون له إلا اسم: يارو.

وفى الحالات السابقة، ومثيلاتها، يأتى اختلافُ التسميات بسبب اختلاف اللغات المتجاورة والمتفاعلة، وبسبب اشتقاق الأسماء عبر اللغات. وهو الأمر الذى تحدث معه أسماءٌ مخايلة، غير دقيقة، مثلما هو الحال حين نسمِّى المنطقة الأثرية الواقعة جنوب الأردن (البتراء) وهى كلمة عربية تبدو فصيحة، لكنها فى واقع الأمر تعريبٌ للكلمة اليونانية (بترا)، التى تعنى «الصخر» وهو أنسب الأسماء لهذه المنطقة الصخرية التى حفر فيها الأنباط بطون الجبال، وجعلوها عاصمةً لهم منذ القرن الأول الميلادى، أما اسمها العربى الفصيح، فهو «سَلْع» وهى تسميةٌ أصيلة لكنها غير مشهورة، والبعض من العرب يسمِّيها «الحجَر» ويُقال إنها الموضع المشار إليه فى القرآن الكريم باسم: الكهف والرَّقيم.

ومن أسباب اختلاف التسميات، الأسماء الواصفة التى يُطلقها المخالفون على بعضهم البعض. كأن يُسمِّى المسلمون ما سبقهم زمناً «الجاهلية» ويسمُّون أهل قريش «الكُفَّار»، بينما كانت قريش تطلق على النبى صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، تسميات ليس من اللائق أن نذكرها هنا.. وبالمثل، كان المسيحيون الذين يرون أنهم أصحاب (الإيمان القويم) يسمون مخالفيهم «هراطقة»، وكان اليهود يسمون غيرهم «الأمم» بينما يجعلون لأنفسهم أسماء وصفات من نوع «أبناء الله»، وهو الاسم الواصف الذى أطلقه المسيحيون، أيضاً، على أنفسهم «أبناء الربّ» ورَدَّ القرآن الكريم على كليهما بقوله تعالى (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قُلْ فلِمَ يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خَلَق).

وفى حالات كثيرة، يتشارك اسمان أو أكثر للشىء الواحد. مثلما هو الحال، مثلاً، فى قولنا «المغول» و«التتار» على الجماعة نفسها، أو نقول «الفاطميون» و«العبيديون» على الدولة ذاتها، أو نسمِّى الموضع المشهور الآن بالقاهرة «حصن بابليون» وهو الموضع الذى كان المصريون قبل الفتح يسمونه «القصر»، وكان العرب الفاتحون يسمونه: باب إليون.

وتظهر هذه المشكلة «المشوِّشة» بوضوح، فيما يتعلق بفتوح شمال أفريقيا، والأندلس من بعد.. حسبما سيظهر لنا فى بقية هذه المقالة.

فى زمن الفتوح، كانت المنطقة المسماة اليوم (ليبيا) تسمى «المدن الخمس الغربية» أى الواقعة غرب الإسكندرية، التابعة لأُسقفها. وكانت البلد المضطربة هذه الأيام (تونس) تُسمَّى عند العرب «أفريقية»، وما يقع غربها من الأرض الواسعة التى تُسمَّى اليوم (الجزائر) كان يُشار إليه باسم «المغرب». أما المملكة المغربية، التى نعرفها اليوم، فكانت تسمَّى «المغرب الأقصى» لأنها أقصى ما يقع إلى جهة المغرب، من ناحية (عاصمة) الخلافة الإسلامية آنذاك: دمشق، وقد ساد الاعتقادُ قديماً، بأن المغرب الأقصى، هو «أقصى» ما يمكن أن يصل إليه الناسُ، ولذلك فإن الفاتح المسلم (عُقبة بن نافع الفهرى) بعدما استكمل فتوح المغرب، حتى وصل إلى البحر المحيط دخل بحصانه إلى بحر الظلمات (= المحيط الأطلنطى) حتى بلغ الماء رقبة حصانه، وقال هناك: «اللهم إنى أُشهدك أنه لا مجاز (عبور) ولو وجدتُ مجازاً، لجزتُ».

وكانت النواحى المغاربية الشاسعة، الممتدة من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب، مسكناً لمجموعة من القبائل الكبرى التى من أشهرها: زَنَاتة، هَوَّارة، كُتَامة، غمارة، جَرَاوة، صِنْهاجة.. وهى القبائل التى سيدخل أفرادها الإسلام، بعد حين، ويكون لهم دورٌ كبيرٌ فى تاريخ الإسلام بأفريقيا، وتاريخ الفاطميين بمصر.

وكانت شبه جزيرة «أيبيريا» المسماة اليوم (إسبانيا، البرتغال) وما يقع إلى الشمال منهما (فرنسا= بلاد غالة) تُسمَّى جميعاً: بلاد القوط، وبلاد الوندال. وكلتاهما (القوط، الوندال) من الجماعات التى نزحت من شمال أوروبا إلى جنوبها، واستقرت فيه، ويقال إنهما فى الأصل جماعة واحدة، وكان الرومان يسمُّون القوط والوندال (البرابرة) بينما كان العربُ يسمون قبائل شمال أفريقيا (البربر).

وقد استقرَّ «البرابرةُ» فى القرون الميلادية الأولى بإسبانيا، واستطاعوا بمعاونة «البربر» أن يدكُّوا حصون المدينة العظمى (روما) فى بداية القرن الخامس الميلادى، واقتحموها، ثم عادوا إلى بلادهم أعزاء، مرهوبى الجانب، مسيحيى الديانة على المذهب الآريوسى (كان آريوس قد نُفى إلى إسبانيا، وطاب له المقام هناك بأحد أديرتها) وهو الأمر الذى سيقرِّب لاحقاً بينهم وبين المسلمين، لأن العقائد الآريوسية قريبة «لاهوتياً» من المعتقدات الإسلامية.

ولما ورثت بيزنظة (القسطنطينية، إستانبول) الحكم من «روما» وصار الرومان يُسَمَّوْنَ الروم (كان الرومان وثنيين، وصار الروم مسيحيين) فرضتْ بيزنطة سلطانها على بلاد غالة (فرنسا) وعلى بلاد الوندال (إسبانيا) وعلى شمال أفريقيا (بلاد المغرب) وبقى الحالُ هناك مستقراً، إلى حين، حتى ضعف سلطان بيزنطة وتراخت قبضتها على الأطراف البعيدة، فصارت النواحى الإسبانية والبرتغالية بيدِ أمراء وملوك الوندال، الذين سيطروا أيضاً على نواحى الجزائر والمغرب، وعاشوا فيها (حسبما يقول المؤرِّخون) فساداً وظلماً وقهراً لسكانها.

والمتأمل فى وقائع التاريخ، فى ذاك الزمان، يلاحظ أن انتشار المسيحية واستقرارها، كان نكبة على اليهود. فالمسيحيون ينظرون إلى اليهودية باعتبارها مقدمةً لديانتهم أو (عهد قديم) لم يعد لها بعد ظهور بشارة المسيح (العهد الجديد) مبرر للوجود. فضلاً عن الاعتقاد المسيحى الجازم، بأن اليهود هم الذين سلَّموا السيد المسيح للرومان، ليصلبوه، وبالتالى فهم أسوأ الخلق أجمعين

ومن الناحية الأخرى، يرى اليهود أن المسيحيين ليسوا على شىء، ويعيشون على الخرافات! لأن المسيح (الماشيح) المنتظر لايزال منتظراً، ولم يأتِ بعدُ إلى هذا العالم ليجعل اليهود ملوكاً على الناس (من ألقاب المسيح: ملك اليهود).. وبالتالى، توترت العلاقة دوماً بين أولئك وهؤلاء، وكان الحالُ يجرى دوماً على المنوال ذاته: إذا قويتْ الدولة المسيحية، عانى اليهود من الاضطهاد، وهو الأمر الذى بلغ غايته قبيل انتشار الإسلام، إذ أصدر الإمبراطور البيزنطى «هرقل» فى حدود سنة 630 ميلادية، مرسوماً إمبراطورياً يقضى بإجبار اليهود على اعتناق المسيحية، وإلا صارت دماؤهم مباحة لمن يريد قتلهم.. وقد قُتل من اليهود آنذاك عشرات الآلاف، وفرَّ الباقون من عاصمة الديانة اليهودية (أورشليم)، التى صار اسمها فى القرون الستة الأولى للميلاد (إيليا) وأصبحت عاصمةً روحية للمسيحيين، قبل أن يصير اسمها (القدس، بيت المقدس) وتصبح عند المسلمين مدينة مقدسة: أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. وهو الأمر الذى يذكِّرنى، ثانيةً، بالشاعر الفلسطينى الراحل محمود درويش، حين قال فى قصيدة أخيرة له:

ومصادفةً ، صارتِ الأرضُ

أرضاً مقدسةً

ليس لأنها نسخةٌ من فراديسَ عُلوية

بل، لأن نبياً تمشَّى هناك

وصلَّى على صخرةٍ

فهَوَى التلُّ من خشية الله

مغمىً عليه.

وكان كثيرٌ من اليهود قد فرُّوا من العذاب والقتل والقهر الدينى، إلى أبعد المواضع من قلب الدولة المسيحية (قبل انتشار الإسلام) فسكنوا من جهة «أواسط آسيا»، ومن الجهة المقابلة «أقاصى المغرب» والأندلس.. لكنهم لم يسلموا مع ذلك من الاكتواء بالويلات التى يثيرها التعصب الدينى، ففى عصر الملك الإسبانى «سيزبوت» جرى ما يقصُّه علينا العلامة د. محمد عبدالله عنان، بعبارة مؤثرة، حين يقول فى الفصل الثانى من الجزء الأول من موسوعته (دولة الإسلام فى الأندلس) ما نصُّه:

«كان يهود الجزيرة (إسبانيا) كتلة كبيرة، لكنهم كانوا موضع البغض والتعصُّب والتحامل، يعانون أشنع ألوان الجور والاضطهاد، وكانت الكنيسة منذ اشتدَّ ساعدها، تحاول تنصير اليهود وتتوسَّل إلى تحقيق غايتها بالعنف والمطاردة، وفى عصر الملك سيزبوت فُرِض التنصير على اليهود أو النفى والمصادرة، فاعتنق النصرانيةَ كثيرٌ منهم كَرْهاً ورياءً سنة 616 ميلادية، ثم توالت عليهم مع ذلك صنوف الاضطهاد والمحن، فركنوا إلى التآمر وتدبير الثورة، وتفاهموا مع إخوانهم يهود المغرب على المؤازرة والتعاون.

ولكن المؤامرة اكتشفت قبل نضجها فى عهد الملك إجيكا (سنة 694 ميلادية)، فقرر معاقبة اليهود باعتبارهم خوارج على الدولة، ومرتدين عن النصرانية. فنـزع أملاكهم فى سائر الولايات الإسبانية، وضمَّها إلى ممتلكاته، وشرَّدهم وجعلهم عبيداً للنصارى إلى الأبد، لا يسمح لهم باسترداد حريتهم، وأَمَرَ بتحرير عبيدهم من النصارى، ونَزَعَ أبناءهم منذ السابعة لتربيتهم على دين النصرانية، وقَرَّرَ ألا يتزوَّج عبدٌ يهودىٌّ إلا بجاريةٍ نصرانية، ولا تتزوَّج يهوديةٌ إلا بنصرانى، وهكذا عصفت يدُ البطش والمطاردة باليهود أيمَّا عَصْفٍ، فكانوا قُبيل الفتح الإسلامى ضحية ظلمٍ لا يُطاق، وكانوا كباقى طوائف الشعب المهيضة (البربر، الآريوسيين) يتوقون إلى الخلاص.

وقد بدأت الغزواتُ الإسلامية للشمال الأفريقى، كما ذكرنا فى المقالة السابقة، عقب فتح المسلمين لمصر. فقد غزا عمرو بن العاص الصحراء الليبية، ثم غزا عبدالله بن أبى سرح تونس، وقتل حاكمها الأسقف العسكرى جريجورى (جُرجير) وغنم من هناك غنائم كثيرة.. وقد انشغل المسلمون حيناً من الدهر، فيما بينهم، بسبب النـزاع بين الإمام علىّ بن أبى طالب والأمير معاوية بن أبى سفيان. ودارت بين المسلمين حروب، آل السلطان بعدها لمعاوية بن أبى سفيان الذى حرص على (توريث الحكم) لأول مرة فى تاريخ الإسلام، فأورث العرش لابنه «يزيد» الملقَّب عند بعض المؤرخين: الفاجر.. وقد ورد فى الحديث الشريف، «إن الله قد ينصر هذا الدين (الإسلام) بالرجل الفاجر!».

وإلى مقالة الأربعاء القادم، حيث سنرى معاً حروب المسلمين فى شمال أفريقيا (ومن أهمها: حرب الكاهنة) وعبورهم إلى الشاطئ الأوروبى ، فى مغامرةٍ لم يكن أحد يتوقع لها أن تسفر عن استقرار الإسلام فى (الأندلس) لقرون طوال من الزمان.

Test

Test

Health